محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
4
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
علمه من مذاهبهم ؛ فإن وافقنا فيه حقيقة الأمر ، وعثرنا على مكنون السر ، كان ذلك من النعم التي لا نحصى لها شكرا ، ولا نقدّر لها قدرا ، وإن خالفنا ذلك ولم نهتد إلى تلك المسالك ، أحلناه على نقصنا وجهلنا ، وانتفى عنا التغرير بقولنا وفعلنا ، واقتصر الأمر في ذلك علينا ، وكانوا هم مبرّئين مما قلنا ونوينا ، فلا جرم إذ كان هذا مقصدنا لوجود السلامة التي جعلناها معتمدنا ، فينبغي لنا أن نقدم أولا كلام المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، مستوفى ، ثم نتبعه كلامنا بصيغة الخبر والدعوى ، فنأتي فيه بعبارة أبسط من عبارته ، وإشارة أجلى من إشارته ، ليفهم بذلك ما عندنا في تفسير ما ذكره ، لا أنه تفسيره حقيقة مقررة ، ونذكر في أثنائه كثيرا مما ناسب عندي من الكلام المنّبه عليه ؛ لتتم بذلك الفائدة في الغرض المتوجه إليه ، وما ظهر لنا في كلامه من تكرار معان ، وتداخل فروع ومبان رأينا التنبيه عليه كالفرض ، وأحلنا بعضه على بعض . وعلى الناسخ لهذا المجموع أن يتّبع فيه ما رسمناه ، ويكتب نصّ كلام المؤلف يصبغ يخالف لونه لون ما يكتب به سواه ، أو يكتبهما بقلمين مختلفين في الغلظ والرقة ، ويوفى في ذلك كلّا منهم حقّه ، ليكون ذلك أقرب إلى حصول المرام في استخراج فائدة ترتيب الكلام ، واللّه الموفّق لا ربّ غيره ، ولا خير إلّا خيره . والذي حملني على وضعه ، وتكلّف تصنيفه وجمعه ، بعد تقدّم إرادة اللّه تعالى التي لا تغلب ، وتقديره الذي ليس للعبد منه منجى ولا مهرب ، ثم الرأي الذي رأيناه من المطالب والمقاصد المعظمة ، ونبهنا عليه في صدر هذه المقدمة ، إلحاح بعض الأصحاب في ذلك عليّ ، وتردادهم بالمسألة إليّ ؛ لكونهم على اعتقاد صحيح في هذه الطريقة ، ومحبّة خالصة لأهل الحقيقة ، فأسعفتهم بما طلبوه ، وحققت لهم الأمل فيما رغبوه ، كما شاء اللّه تعالى وحكم ، وقضى به علينا وحتم ، نفعنا اللّه وإيّاهم بما يجري منه على يدينا ، ولا جعله حجّة عليهم ولا علينا ، ونحن نستغفر اللّه تعالى ممّا تعاطيناه من الأمر العظيم ، واقتحمناه من الخطر الجسيم ، ونستعيذ به من الوقوع في حبائل العدوّ الرجيم ، ونسأله توفيقا يقف بنا على جادّة الاستقامة ، ويصرفنا عن العمل بما يعقب ملامة أو ندامة ، ونرجوه مع هذا إذ منّ علينا بالانتماء إلى مذاهبهم ، والانتساب إلى كريم مناسبهم ، والتعلّق بأذيالهم ، ومحاولة النسج على منوالهم ، ورزقنا شيئا من تعضيمهم وحبّهم ، وقسطا من تكريمهم وبرّهم ، أن لا يحرمنا من شفاعتهم ولا يخرجنا من كنف ولا يتهم ، ولا يطردنا عن بابهم الكريم ، ولا يصرفنا عن منهجهم القويم ، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم : لي سادة من عزّهم * أقدامهم فوق الجباه إن لم أكن منهم فلي * في ذكرهم عزّ وجاه