محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
5
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
اللهم إنّا نتوسل إليك بحبّهم ، فإنّهم أحبّوك ، ولم يحبوك حتى أحببتهم ، فبحبّك إيّاهم وصلوا إلى حبّك ، ونحن لم نصل إلى حبهم فيك إلّا بحظنا منك ، فتمم لنا ذلك حتى نلقاك يا أرحم الراحمين ، وصلى اللّه على سيدنا محمد ومولانا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم عليهم تسليما كثيرا . وهذا حين ابتدائي وباللّه التوفيق ، ومنه الهداية إلى سواء الطريق . [ من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل ] قال المؤلف قدّس اللّه سرّه : من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل . أقول : الاعتماد على اللّه تعالى نعت العارفين الموحّدين ، والاعتماد على غيره وصف الجاهلين الغافلين كائنا ما كان ذلك الغير حتى علومهم وأعمالهم وأحوالهم . أما العارفون الموحّدون فإنهم على بساط القرب والمشاهدة ناظرون إلى ربهم ، فانون عن أنفسهم ؛ فإذا وقعوا في زلّة أو أصابتهم غفلة ، شهدوا تصريف الحقّ تعالى لهم ، وجريان قضائه عليهم . كما أنهم إذا صدرت عنهم طاعة ، أو لاح عليهم لائح من يقظة ، لم يشهدوا في ذلك أنفسهم ، ولم يروا فيها حولهم ولا قوّتهم ؛ لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربّهم ، فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره ، وقلوبهم ساكنة بما لاح لها من أنواره ، ولا فرق عندهم بين الحالين ؛ لأنهم غرقى في بحار التوحيد ، قد استوى خوفهم ورجاؤهم ، فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان ، ولا يزيد في رجائهم ما يأتون به من الإحسان . قال « شارح المجالس » : « العارفون قائمون باللّه قد تولّى اللّه أمرهم ، فإذا ظهرت منهم طاعة لم يرجوا عليها ثوابا ؛ لأنهم لم يروا أنفسهم عمّالا لها ، وإن ظهرت منهم زلّة فالدية على العاقل ، لم يشاهدوا غيره في الشدة والرخاء قيامهم باللّه ونظرهم إليه ، وخوفهم : هيبته ، ورجاؤهم : الأنس به » ا ه . وأما غيرهم فبقوا مع نفوسهم في نسبة الأعمال والأفعال إليها ، وطلب الحظّ لها وعليها ؛ فاعتمدوا على أعمالهم وسكنوا إلى أحوالهم ، فإذا وقعوا في زلّة نقص بذلك رجاؤهم ، كما أنهم إذا عملوا طاعة جعلوها من أعظم عددهم ، وأقوى معتمدهم ، فتعلّقوا بالأسباب ، وحجبوا بتصرّفهم بها عن ربّ الأرباب ؛ فمن وجد هذه العلامة في نفسه فليعرف منزلته وقدره ، ولا يتعدّ طوره ، فيدّعي مقامات الخاصة من المقرّبين ، وإنما هو من عامّة أصحاب اليمين . وستأتي إشارات إلى هذا المعنى في مواضع من كلام المؤلف ، قدّس اللّه سرّه .