عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

94

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

قال بهلول رضى اللّه تعالى عنه : ثم رمق السماء بعينيه ، وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه ، وأنشأ يقول : يا من إليه المبتهل * يا من عليه المتكل يا من إذا ما آمل * يرجوه لم يخط الأمل قال : فلما أتم كلامه ، خر مغشيا عليه ، فرفعت رأسه إلى حجري ، ونفضت التراب عن وجهه بكمى ، فلما أفاق قلت له : أي بنى ما نزل بك وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب قال : إليك عنى يا بهلول ، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا يتقد لها إلا بالصغار وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم ، فقلت له : أي بنى أراك حكيما فعظنى وأوجز ، فأنشأ يقول : غفلت وحادي الموت في أثرى يحدو * فإن لم أرح يوما فلا بد أن أغدو أنعم جسمي باللباس ولينه * وليس لجسمى من لباس البلى بد كأني به قد مر في برزخ البلى * ومن فوقه ردم ومن تحته لحد وقد ذهبت منى المحاسن وانمحت * ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد أرى العمر قد ولى ولم أدرك المنى * وليس معي زاد وفي سفري بعد وقد كنت جاهرت المهيمن عاصيا * وأحدثت أحداثا وليس لها رد وأرخيت خوف الناس سترا من الحيا * وما خفت من سرى غدا عنده يبدو بلى خفته لكن وثقت بعلمه * وأن ليس يعفو غيره فله الحمد فلو لم يكن شئ سوى الموت والبلى * ولم يك من ربى وعيد ولا وعد لكان لنا في الموت شغل وفي البلى * عن اللهو لكن زال عن رأينا الرشد عسى غافر الزلات يغفر زلتي * فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد أنا عبد سوء خنت مولاي عهده * كذلك عبد السوء ليس له عهد فكيف إذا أحرقت بالنار جثتي * ونارك لا يقوى لها الحجر الصلد أنا الفرد عند الموت والفرد في البلى * وأبعث فردا فارحم الفرد يا فرد قال بهلول : فلما فرغ من كلامع وقعت مغشيا على ، وانصرف الصبى ؛ فلما أفقت نظرت إلى الصبيان فلم أره معهم ، فقلت لهم : من يكون ذلك الغلام ؟ قالوا وما عرفته ؟ قلت لا ، قالوا ذاك من أولا الحسين بن علي بن أبي طالب