عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

87

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

جنوا من جناها زاكيا لا يذوقه * من الخلق إلا كل نفس زكية تسلت عن الدنيا وماتت عن الهوى * وغسلها في موتها ماء دمعة وصلت عليها صالحات فعالها * وقد كفنت في بيض أثواب توبة وشيلت على نعش انتعاش إلى البقا * بقبر خمول شق في أرض غربة وقومها في البعث باعث عقلها * وحاسبها في كل مثقال ذرة وألزمها تمشي صراط استقامة * دقيقا كحد السيف إن عنه زلت هوت جوف نار الهجر والبعد والقلى * وإن ثبتت سارت بجنات وصلة ونالت مناها والسعادات كلها * فياسعد نفس أدركت ما تمنت إلهي تفضل بالعطا واكشف الغطا * وكل الخطايا فاغفر ومنّ بجنة وصلّ على خير الأنام وآله * وأصحابه والحمد للّه تمت * قلت : هذه الأقوال أقولها بغير أفعال كما قال بعض الرجال ما يأتي ذكره قريبا وأستغفر اللّه من هذا الحال ، ومن كل حال ، وأسأله التوفيق لصالح الأعمال ، وحسن الخاتمة عند منتهى الآجال . ( الحكاية الحادية والخمسون : عن سرىّ رضى اللّه تعالى عنه ) قال : بينما نحن نسير في بعض بلاد الشام ، إذا قال واحد منا : ههنا عابد ، فميلوا بنا إليه ، لعل اللّه يسخره يكلمنا ، فملنا إليه ، فوجدناه يبكى ، فقلنا له : ما يبكى العابد ؟ فقال : ما لي لا أبكى وقد توعرت الطريق ، وقل السالكون فيه وهجرت الأعمال وقل الراغبون فيها ، وقلّ الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال ، قد افترش الرخصة وتمهد التأميل ، واعتل بزلل العاصين ، ثم صاح صيحة وقال : كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا ، وانقطعت عن روح ملكوت السماء ، ثم جعل يقول : وا غماه من فتنة العلماء ، وا كرباه من حيرة الأدلاء ، وجال جولة ثم قال : أين الأبرار من العلماء ، بل أين الأخيار من الزهاد ؟ ثم بكى وقال : شغلهم واللّه طول الأمال عن رد الجواب ، وعن ذكر الجنة والنار والثواب ، والعقاب وطول الحساب ، ثم قال : أستغفر اللّه من شهوة الكلام ،