عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
58
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
وأصلى صلاتي فقلت لك ذلك ، ثم مضيت به إلى العمل رتركته يعمل ؛ فلما كان المغرب جئته فوجدته قد عمل عمل عشرة رجال ، فوزنت له درهمين ، فقال يا أبا عامر ما أصنع بهذا ؟ وأبى أن يقبل ، فوزنت له درهما ودانقا ؛ فلما كان الغد خرجت إلى السوق في طلبه فلم أجده ، فسألت عنه ، فقيل لي إنه لا يعمل إلا يوم السبت ولا تراه إلا يوم السبت الثاني ، فأخرت العمل إلى السبت الثاني ، ثم أتيت السوق فإذا هو على تلك الحال ، فسلمت عليه ثم عرضت عليه العمل ، فقال كمقالته الأولى ، فمضيت به إلى العمل ، فوقفت أنظر إليه من بعيد وهو لا يراني ، فأخذ كفا من الطين وتركه على الحائط وإذا الحجارة يتركب بعضها على بعض ، فقلت : هكذا أولياء اللّه تعالى معانون ؛ فلما أراد أن ينصرف وزنت له ثلاثة دراهم فأبى أن يقبل إلا درهما ودانقا ، فوزنت له ذلك ؛ فلما كان السبت الثالث جئت إلى السوق فلم أره ، فسألت عنه ، فقيل لي : له ثلاثة أيام وجع في خرابة يعالج سكرات الموت ، فوهبت أجرة لمن يدلني عليه ، ومشينا حتى وقفنا عليه ، في خراب بلا باب ، وإذا هو مغشىّ عليه ، فسلمت عليه وإذا تحت رأسه نصف لبنة وهو في حال الموت ، فسلمت عليه ثانية فعرفني ، فأخذت رأسه وجعلتها في حجري ، فمنعني من ذلك وأنشأ يقول : يا صاحبي لا تغترر بتنعم * فالعمر ينفد والنعيم يزول وإذا علمت بحال قوم مرّة * فاعلم بأنك عنهم مسؤول وإذا حملت إلى القبور جنازة * فاعلم بأنك بعدها محمول ثم قال : يا أبا عامر إذا فارقت روحي جسدي ، فغسلني وكفنى في جبتى هذه ، فقلت يا حبيبي ولم لا أكفنك في ثياب جديدة ، فقال لي الحىّ أحوج إلى الجديد من الميت ، الثياب تبلى والعمل يبقى ، وخذ زنبيلى ومئزرى فادفعهما للحفار ، وخذ هذا المصحف والخاتم وامض بهما إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ، ولا تدفعهما إلا من يدك إلى يده وقل له : يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب وهو يقول لك : لا تموتنّ على غفلتك هذه أو قال على غرتك هذه ، ثم خرجت روحه رضي اللّه عنه ، فعلمت أنه ولد الخليفة وعملت بجميع ما أوصاني به ، وأخذت المصحف والخاتم ودخلت بغداد ، وقصدت قصر الخليفة هارون الرشيد ، ووقفت على موضع مشرف ؛ فخرج موكب عظيم فيه تقدير ألف