عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
59
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
فارس ، ثم تبعه عشرة مواكب في كلّ موكب ألف فارس ، وخرج أمير المؤمنين في الموكب العاشر ، فناديت بقرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا أمير المؤمنين إلا ما وقفت لي قليلا ، فلما رآني قلت : يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب ، ثم دفعت إليه المصحف والخاتم وقلت له : هذا ما أوصاني به ، فنكس رأسه وأسبل دمعته وأوصى علىّ بعض الحجاب وقال ليكن هذا عندك إلى أن أسألك عنه ؛ فلما رجع هو وأصحابه أمر بالستور فرفعت ، ثم قال للحاجب هات الرجل وإن كان يجدّد علىّ أحزانى ، فقال لي الحاجب : يا أبا عامر إن أمير المؤمنين محزون مهموم ، فإذا أردت أن تكلمه عشر كلمات فاجعلها خمسا ، فقلت نعم ودخلت عليه فإذا مجلسه خال ، فلما رآني قال : ادن منى ، يا أبا عامر ، فدنوت منه ، فقال : أتعرف ولدى ؟ قلت نعم قال في أي شئ كان يعمل ؟ قلت في الطين والحجارة ، قال استعملته أنت ؟ قلت نعم ، فقال استعملته وله اتصال برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقلت المعذرة للّه تعالى ثم إليك يا أمير المؤمنين ، فإني ما علمت من هو إلا عند وفاته ، قال أنت غسلته بيدك ؟ قلت نعم ، قال هات يدك ، فأخذها ووضعها على صدره وهو يقول : بأبى كيف كفنت العزيز الغريب ؟ ثم أنشأ يقول : يا غريبا عليه قلبي يذوب * ولعيني عليه دمع سكوب يا بعيد المكان حزنى قريب * كدر الموت كل عيش يطيب كان بدرا على قضيب لجين * فهوى البدر في الثرى والقضيب قال ثم تجهز وخرج إلى البصرة وأنا معه حتى انتهى إلى القبر ، فلما رآه غشى عليه ، فلما أفاق أنشد هذه الأبيات : يا غائبا لا يئوب من سفره * عاجله موته على صغره يا قرة العين كنت لي أنسا * في طول ليلى نعم وفي قصره شربت كأسا أبوك شاربها * لابد من شربها على كبره أشربها والأنام كلهم * من كان من بدوه ومن حضره فالحمد للّه لا شريك له * قد كان هذا القضاء من قدره قال أبو عامر : فلما كان تلك الليلة ، قضيت وردى وأضجعت ، وإذا بقبة من نور عليها سحاب من نور ، وإذا قد كشف السحاب فإذا الغلام ينادى : يا أبا