عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

55

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

فيه بالعشيات ويشرف فيه على الناس ، له أبواب مشرعة إلى الجادة ، وأبواب مشرعة إلى بساتينه ، وقد ضرب فيه قبة عاج مضببة بالفضة ، مطلية بالذهب ، وهو على سرير عليه غلالة قصب ، وعلى رأسه عمامة مكللة باللآلئ ، ومعه في القبة يراهن ، إذا اشتهى سماع القينات نظر نحو الستارة ، وإن أراد سكوتهن أومأ بيده إلى الستارة فأمسكن ، هذا دأبه إلى أن يذهب الليل ويذهب عقله ، فتخرج الندماء ويخلو مع من شاء ، فإذا أصبح اشتغل بالنظر إلى اللعابين بين يديه بالشطرنج والنرد ، ولا يذكر بين يديه موت ولا مرض ولا سقم ولا شئ فيه ذكر الغمّ إلا ذكر الفرح والسرور والنوادر التي تضحك ، ويتطيب كل يوم بأنواع الطيب والمشمومات مما يكون في أوانه حتى مضت له سبع وعشرون سنة ، فبينما هو ذات ليلة في قبته وقد مضى بعض الليل إذ سمع نغمة من حلق شجىّ خلاف ما يسمع من مطربيه ، فأخذ بقلبه ولها عما كان فيه ، وأومأ إليهم أن أمسكوا وأخرج رأسه من بعض طاقات القبة إلى جهة الجادة يتسمع الذي وقع بقلبه ، فإذا النغمة ربما سمعها وربما خفيت عليه ، فصاح بغلمانه وقال اطلبوا صاحب هذا الصوت ، وكان قد عمل فيه الشراب ، فخرج الغلمان يطوفون ، فإذا هم بشاب نحيل الجسم دقيق العنق مصفر اللون ذابل الشفتين شعث الرأس ، قد لصق بطنه بظهره ، وعليه طمران لا يتوارى بغيرهما ، حافى القدمين قائم في المسجد يناجى ربه سبحانه وتعالى ، فأخرجوه من المسجد ، وانطلقوا به ، لا يكلمونه حتى وقفوا به بين يديه ، فنظر إليه فقال : من هذا ؟ فقالوا صاحب النغمة التي سمعت ، قال أين أصبتموه ؟ قالوا في المسجد قائما يصلى ويقرأ ، فقال أيها الشاب ما كنت تقرأ ؟ قال كلام اللّه عزّ وجلّ ، قال فأسمعنى تلك النغمة ، فقال أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ) إلى قوله تبارك وتعالى ( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) أيها المغرور إنها خلاف مجلسك ومستشرفك وفرشك ، إنها أرائك مفروشة بفرش مرفوعة ، بطائنها من إستبرق على رفرف خضر وعبقرىّ حسانّ يشرف ولىّ اللّه تعالى منها على عينين تجريان في جنتين فيهما من كل فاكهة زوجان ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ، في عيشة راضية ، في جنة عالية ، لا يسمع فيها لاغية ، فيها عين جارية ، فيها سرر مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة ، وزرابىّ مبثوثة ،