عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

56

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

في ظلال وعيون ، أكلها دائم وظلها ، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ، نار وأي نار ؟ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون في ضلال وسعر ، يوم يسحبون في النار على وجوههم ، ذوقوا مس سقر ، في سموم وحميم وظل من يحموم ، يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه ، وفصيلته التي تؤويه ، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ، كلا إنها لظى نزاعة للشوى . تدعو من أدبر وتولى ، وجمع فأوعى ، في جهد جهيد ، وعذاب شديد ، ومقت من رب العالمين ، وما هم منها بمخرجين ، فقام الهاشمىّ من مجلسه ، وعانق الشاب ، وبكى وصاح وقال : انصرفوا عنى ، وخرج إلى صحن داره ، وقعد على حصير مع الشاب ، ينوح على شبابه ، ويندب نفسه ، والشاب يعظه إلى أن أصبح ، وقد عاهد اللّه تعالى أن لا يعود لمعصيته أبدا ؛ فلما أصبح أظهر توبته ، ولزم المسجد والعبادة ، وأمر بالذهب والفضة والجواهر والملابس فبيعت كلها ، وتصدّق بها ، وقطع الأجراء عن نفسه ، وردّ الضياع المقتطعة ، وباع ضياعه وعبيده وجواريه ، وأعتق من اختار العتق وتصدّق به كله ، ولبس الصوف والخشن وأكل الشعير ، وكان يحيى الليل كله ويصوم النهار ، حتى كان يزوره الصالحون والأخيار ويقولون له ارفق بنفسك فإن المولى كريم ، يشكر اليسير ، ويثيب عليه الكثير فيقول : يا قوم أنا أعرف بنفسي جرمي عظيم إن عصيت مولاي في الليل والنهار ، ويبكى ويكثر البكاء ، ثم خرج حاجا على قدميه حافيا ، ما عليه إلا خيشه ، وما معه إلا ركوة وجراب ، حتى قدم مكة وقضى حجه ، فأقام بها إلى أن توفى رحمه اللّه تعالى ، وكان يدخل الحجر بالليل وينوح على نفسه ويقول : سيدي كم لم أراقبك في خلواتى . كم أبازرك بالمعاصي ، سيدي ذهبت حسناتي وبقيت تبعاتى فالويل لي يوم ألقاك ، والويل لي ثم الويل لي من صحيفتي إذا نشرت ، مملوءة من فضائحى وخطيئاتي ، بل حلّ لي الويل من مقتك إياي وتوبيخك لي في إحسانك إلىّ ، ومقابلة نعمتك بالمعاصي وأنت مطلع على فعالى ؛ سيدي إلى من أهرب إلا إليك ، وإلى من ألتجىء وعلى من أعتمد إلا عليك ؟ سيدي إني لا أستأهل أن أسألك الجنة ، بل أسألك الجنة ، بل أسألك بجودك وكرمك وفضلك أن تغفر لي وترحمني فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة ، وأنشدوا في هذا المعنى :