عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
52
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
أعمل صناعتي في الحانوت ، فبينا أنا جالس على الكرسي إذ ظهر لي شخص بيده شئ في إناء ، فقال لي اصبر إلى العشاء تأكل من هذا ، ثم غاب عنى ، فبينما أنا في وردى بين العشاءين إذا انشق الجدار وظهرت لي حوراء بيدها ذلك الإناء الذي كان بيد ذلك الشخص فيه شئ يشبه العسل ، فتقدّمت إلىّ وألعقتنى منه ثلاثا فصعقت وغشى علىّ ، ثم أفقت وقد ذهبت ولم يطب لي بعد ذلك طعام ولا شراب وأشرب قلبي تلك الصورة ، فما استحسنت بعدها شخصا ولا كنت أتمكن من سماع كلام الخلق ، وأقمت على ذلك مدة . ( الحكاية الخامسة عشرة عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) : أنه كان يوما ماشيا في أزقة البصرة ، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم ، فلما رآها مالك نادى أيتها الجارية أيبيعك مولاك ؟ فقالت كيف قلت يا شيخ ؟ قال قلت أيبيعك مولاك ؟ قالت ولو باعني كان مثلك يشترينى ؟ قال نعم وخيرا منك ، فضحكت وأمرت به أن يحمل إلى دارها ، فحمل فدخلت إلى مولاها فأخبرته ، فضحك وأمر أن يدخل به إليه ، فأدخل فألقيت له الهيبة في قلب السيد ، فقال ما حاجتك ؟ فقال بعني جاريتك ، قال أو تطيق أداء ثمنها ؟ قال قيمتها عندي نواتان مسوّستان ، فضحكوا وقالوا كيف كان ثمنها عندك هذا ؟ قال لكثرة عيوبها قال وما عيوبها ؟ قال إن لم تتعطر ذفرت ، وإن لم تستك بخرت ، وإن لم تمتشط وتدهن قملت وشعثت ، وإن عمرت عن قليل هرمت ، ذات حيض وبول وأقذار وحزن وغمّ وأكدار ، ولعلها لا تودّك إلا لنفسها ، ولا تحبك إلا لتنعمها ، لا تفي بعهدك ولا تصدق في ودّك ، ولا تخلف عليها أحدا بعدك إلا رأته مثلك ، وأنا أجد بدون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت من سلالة الكافور والمسك والزعفران والجوهر والنور لو مزج بريقها أجاج لطاب ، ولو دعى بكلامها ميت لأجاب ، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه وكسفت ، ولو بدت في الظلمات لأنارت به وأشرقت ، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطرت بها وتزخرفت ، نشأت في رياض المسك والزعفران وقضبان الياقوت والمرجان ، وقصرت في خيام النعيم وغذيت بماء التسنيم ، لا تخلف عهدها ولا تبدل ودّها ، فأيهما أحقّ بدفع الثمن ؟ قال الذي وصفت ؟ قال فإنها الموجودة الثمن ، القريبة الخطب في كلّ زمن ، قال فما ثمنها رحمك اللّه ؟ قال : اليسير