عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

53

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

المبذول لنيل الخطير المأمول ، أن تتفرّغ في ليلك ساعة ، فتصلى ركعتين تخلصهما لربك ، وأن تضع طعامك فتذكر جائعك فتؤثره للّه عزّ وجلّ على شهوتك ، وأن ترفع عن الطريق حجرا أو قذرا ، وأن تقطع أيامك بالبلغة والقلة ، وترفع همك عن دار الغرور والغفلة فتعيش في الدنيا بعزّ القناعة ، وتأتى إلى موقف الكرامة آمنا غدا ، وتنزل في الجنة دار النعيم في جوار الملك الكريم مخلدا ، فقال الرجل يا جارية ، أما سمعت ما قال شيخنا هذا ؟ قالت نعم ، قال أفصدق أم كذب ؟ قالت بل صدق وبرّ ونصح ، قال فأنت إذن حرة لوجه اللّه تعالى ، وضيعة كذا وكذا صدقة عليك ، وأنتم أيها الخدم أحرار ، وضيعة كذا وكذا لكم ، وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل اللّه تعالى ، ثم مد يده إلى ستر خشن كان على بعض أبوابه فاجتذبه وخلع جميع ما كان عليه واستتر به ، فقالت الجارية لا عيش لي بعدك يا مولاي ، فرمت بكسوتها ولبست ثوبا خشنا وخرجت معه ، فودعهما مالك بن دينار ودعا لهما ، وأخذ طريقا غيره ، فتعبدا جميعا حتى الموت ، فنقلهما على حال العبادة رحمة اللّه عليهما . ( الحكاية السادسة عشرة عن جعفر بن سليمان رحمه اللّه تعالى ) قال : مررت أنا ومالك بن دينار رضي اللّه عنه بالبصرة ؛ فبينما نحن ندور فيها مررنا بقصر يعمر ، وإذا شاب جالس ما رأيت أحسن وجها منه ، وإذا هو يأمر ببناء القصر ويقول افعلوا واصنعوا ، فقال لي مالك أما ترى إلى هذا الشاب وحسن وجهه وحرصه على هذا البناء ، ما أحوجني إلى أن أسأل ربى أن يخلصه ، فلعله يجعله من شباب أهل الجنة ؛ يا جعفر ادخل بنا إليه ، قال جعفر : فدخلنا إليه فسلمنا عليه ، فردّ السلام ولم يعرف مالكا ، فلما عرفه قام إليه ، فقال ألك حاجة ؟ فقال : كم نويت أن تنفق على هذا القصر ؟ قال مئة ألف درهم فقال ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه ، وأضمن لك على اللّه عزّ وجلّ قصرا في الجنة خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وقببه وخيمة من ياقوتة حمراء مرصعة بالجواهر ، ترابه الزعفران وملاطه المسك أفيح من قصرك هذا ، لا يخرب أبدا ، ولم تمسه يد ، ولم يبنه بان ، بل قال له الجليل سبحانه : كن فكان ، قال فأجلنى الليلة وبكر علىّ غدا ، فقال نعم ، قال جعفر فبات مالك وهو يفكر في ذلك الشاب ، فلما كان وقت السحر دعا فأكثر من الدعاء ، فلما أصبحنا