عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
470
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
* قلت : والقسم الثالث المذكور المتوسط بين القسمين المذكورين على طريقة حسنة محمودة عند كلا القسمين ، ليس عليها اعتراض ، ولا فيها طعن من الطرفين ، وعليها أكثر السلف الصالح السادة لزوم العلم العمل الذي هو الورع والزهد وأنواع العبادة ، وهذه الطريقة الوسطى المذكورة وإن كانت بالحسن المذكور مشهورة فليست كطريقة الصوفية التي هي بالجمال العالي مشهورة ، لأنهم خرجوا للّه تعالى عن نفوسهم بالكلية ، ورضوا بكلّ مقدور وصبروا على كل بلية ؛ أعنى الصادقين منهم والصديقين كما قال بعضهم : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شئ . وقال آخر : الرضا سرور القلب بمرّ القضاء . وقال بعضهم : لو جعلني في الدرك الأسفل من النار كنت أشد رضا ممن في الفردوس . قال آخر : الراضي من سرّته المصيبة كما تسرّه النعمة . قال قائلهم : إذا أنعمت نعمى علىّ بنظرة * فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل فنافس ببذل النفس فيها أخا الهوى * فإن قبلتها منك يا حبذا البذل فمن لم يجد في حبّ نعمى بنفسه * وإن جاد بالدنيا إليه انتهى البخل * قلت : ، من لم يحصل له جذب من الحقّ سبحانه وتعالى وأخذ عن نفسه ، لم يقدر على التخلص من صفات نفسه ، ولم يحصل له من المعرفة باللّه تبارك وتعالى ، والاطلاع على الملك والملكوت والمشاهدة ، وتجلى صفات ذي العزّة والجبروت ما حصل لمن جذبه الحىّ القيوم الذي لا يموت ، فمواهب اللّه تعالى وفضله العظيم عزّ وجلّ لا يقاس بمثله كسب ولا يساويه عمل ، فليس السالك والطالب كالمجذوب المطلوب ، ولا المعنّى المحبّ كالمنعم المحبوب . وفي ذلك أقول على لسان المحب المعنّى وأنوب : أنا طالب والغير مطلوب من أنا * بها مغرم أهريق في حبها دمى معنّى بها والغير فيها منعم * وكم بين مشغوف معنّى وناعم فلا نلت من نعمى نعيم وصالها * ولا كنت من بلوى هواها بسالم