عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
469
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
وآخر وافته السعادة نائما * فجاءت به للوصل يجرى ركابها وآخر في وعر الطريقة سالك * يقول ونار الشوق فيه التهابها إذا فاز أصحابي بوصل ولم أفز * يحق لنفسي أن يطول انتحابها * قلت : هؤلاء الأربعة الأقسام هم أهل الذوق الذي حدا بهم إلى موطن القرب حادي الشوق ، وقد تأملت الناس المشار إليهم ، فرأيتهم ثلاثة أقسام : القسم الأول : الصوفية وهم أهل الحب والشوق والحال والذوق ، وهم مجذوب وسالك على ما قدمنا ذكره وتفصيله في ذلك . والقسم الثاني : الفقهاء المشتغلون بالدرس والتدريس والبحث في العلم الشريف المبرزون من محاسنه كل فقه دقيق المعنى لطيف ، ولكنهم فيهم جمود على ظاهر الفقه ويبس ، ولم يدخل قلوبهم عند ذكر الأحباب والأوطان لين هوى نعمى ونعمان ، كما دخل قلوب القسم الأول المذكور الذي فيه أقول : تذكرهم عيشا بنعمان ناعما * حمام الحمى ثغرى نسيم العواصف تثير الصبا من كل صبّ صبابة * فيصبوا إلى عهد الصبا والمآلف فهم بين مشتاق وباك وضاحك * سرورا وصراخ وراج وخائف والقسم الثالث : متوسط بين القسمين المذكورين ، أعنى بتوسطهم أن مزجوا شغل القسم الثاني ، وهو العلم بشغل القسم الأول ، وهو الزهد والورع والعبادة ، فجمعوا بين العلم والعمل ، وداخلهم الخوف والوجل ، ودخل في قلوبهم الشجية لين هوى نجد ولكن لم يتمكن منها تمكنه من قلوب الصوفية الذين خلعوا العذار ، ومال بهم الوجد عن ذكر الأحباب والديار وحنت قلوبهم وأنت ، واتصفوا بما قلت فيما تقدم من الأشعار : وحنت وأنّت من جوى لوعة الهوى * وذكر الأحبا للمحبين شائق إذا ذكرت وادى العقيق وجيرة * بذى سلم فاضت دموع سوابق وإن ذكرت جيران سلع تمايلت * بوجد وطعم الوجد يدريه ذائق