عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

453

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

لك ، وإلا فإن النداء لا ينقذ الغرقى . وروينا عن الشيخ الكبير الشأن ذي الكرامات والمعارف والأسرار أبى الحسين النووي رضى اللّه تعالى عنه أنه قال لما وصف القرب من اللّه تعالى : أما القرب بالذات فتعالى الملك عنه وإنه متقدس عن الحدود والأقطار ، والنهاية والمقدار ، ما اتصل به مخلوق ، وما انفصل عنه حادث مسبوق ، جلت الصمدية عن قبول الوصل والفصل . فقرب هو في نعته محال . وهو تدانى الذوات . وقرب في نعته واجب ، وهو قرب الفعل باللطف * قلت : وهذا القول أيضا بديع الحسن والتحقيق . وروينا عن الأستاذ أبى القاسم الجنيد رضى اللّه عنه أنه سأله ابن شاهين عن معنى مع ، فقال مع علي معنيين : مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة قال اللّه تعالى ( إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ) ومع العامة بالعلم والإحاطة قال اللّه تعالى ( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) الآية ، فقال ابن شاهين : مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على اللّه عزّ وجلّ * وعن الجنيد أيضا أنه قال : متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير بمن له شبيه ونظير ؟ ! هيهات هذا ظنّ عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة ، إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان . وقال أيضا : تفرد الحقّ بعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون . وقال أيضا : أشرف المجالس وأعلاها مجالس الفكر في ميدان التوحيد . وقال أيضا : التوكل عمل القلب والتوحيد قول القلب ، وهذا هو قول أهل أصول الكلام هو المعنى القائم بالقلب من معنى الأمر والنهى والخبر والاستخبار * وسئل الجنيد عن التوحيد فقال : يقال إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . وروينا عن الشيخ الكبير العارف باللّه أبى العباس بن عطاء رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : لما خلق اللّه الأحرف جعلها سرّا له ، فلما خلق آدم عليه السّلام بث فيه ذلك السرّ ولم يبث ذلك في أحد من ملائكته فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السّلام بفنون الجريان وفنون اللغات ، فجعلها صورا لها ، وهذا القول صريح من ابن عطاء رحمه اللّه تعالى بأن الحروف مخلوقة *