عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
408
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
مسرورة ، فأصبحت اليوم في حبّ مولاي مخمورة ، فقلت لها يا جارية أراك حكيمة فأوصينى بوصية ، فقالت يا ذا النون عليك بالسكوت ، والرضا من الدنيا بالقوت حتى تزور في الجنة الحىّ الذي لا يموت ، فقلت لها هل عندك ماء ؟ فقالت أنا أدلك على الماء ، فظننت أنها تدلني على بئر ماء أو عين ، فقلت نعم ، فقالت إن الناس يسقون يوم القيامة على أربع مراتب : ففرقة تسقيهم الملائكة قال اللّه تعالى ( بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) . وفرقة يسقيهم رضوان خازن الجنة قال اللّه تعالى ( وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ) . وفرقة يسقيهم المولى جلّ جلاله وهم الخواصّ من عباده قال اللّه تعالى ( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) فلا تعط سرّك في دنياك غير مولاك حتى يسقيك مولاك عقباك ، رضى اللّه عنها * قلت : هكذا وقع في الأصل ذكر ثلاث فرق وليس فيه ذكر الرابعة ، ولعلّ ذلك - واللّه أعلم - وفرقة تسقيهم الولدان قال عزّ من قائل ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) وتكون هذه الفرقة في الترتيب غير الأخيرة ، وتكون الأخيرة هي الفرقة التي سقاهم ربهم شرابا طهورا ، لأن الختام لا يكون إلا بالأفضل الأشرف الأكمل ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ( الحكاية السابعة والسبعون بعد الأربع مئة : عن ذي النون أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بينا أنا أطوف إذ لمع نور فلحق بعنان السماء ، فتعجبت منه ، فأتممت طوافى وأسندت ظهري إلى الكعبة أفكر في ذلك النور ، فسمعت صوتا شجيا بنغمة حسنة فتبعت الصوت فإذا أنا بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول : أنت تدرى يا حبيبي * من حبيبي ؟ أنت تدرى ونحول الجسم والدم * ع يبوحان بسرّى قد كتمت الحب حتى * ضاق بالكتمان صدري قال : فلما سمعت قولها انتحبت وبكيت ، ثم قالت إلهي وسيدي ومولاي ، بحبك لي إلا ما غفرت لي ، فقلت يا جارية ما يكفيك أن تقولي بحبي تقولي بحبك لي ، فمن أين علمت أنه يحبك ؟ قالت إليك عنى يا ذا النون ، أما علمت أن للّه تبارك وتعالى أقواما يحبهم ويحبونه ، أحبهم قبل أن يحبوه ؛ أما علمت قول الحقّ سبحانه وتعالى ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له ، فقلت لها من أين علمت أنى ذو النون ؟ فقالت يا