عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
396
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
من بعض الأودية متفرّقون ، فاجتمعوا إليه وتقدمهم واحد منهم ، فصلى بهم ثم افترقوا ولم يكلم واحد منهم أحدا ، وجلس الشيخ مكانه وجلست عنده حتى إذا كان وقت الصلاة أقبل النفر فصلوا ، ثم انصرفوا حتى جاء وقت العصر فاجتمعوا وصلوا ، ثم جلسوا بعد ذلك وتذاكروا في سير الصالحين ومقامات الأولياء إلى قريب الاصفرار ، ثم تفرّقوا واجتمعوا للمغرب ، ثم تفرّقوا فجلست عندهم ثلاثة أيام وهم على ذلك ، ثم وقع في نفسي أن أسأله عن مسألة أستفيدها فتقدمت إليه وقلت : أيها الشيخ مسألة أسأل عنها ، فقال قل فنظر الجماعة إلىّ كالمنكرين ففزعت ، فقلت له أيها الشيخ متى يعلم المريد أنه مريد ؟ فأعرض عنى ولم يجبني ، فخفت أن أكون قد أغضبته ، فقمت عنه ، فلما كان في اليوم الثاني قلت لا بد أن أسأله عن المسألة وعزمت على ذلك ، فتقدمت إليه وقلت أيها الشيخ متى يعلم المريد أنه مريد ؟ فأعرض عنى كالأول ولم يجاوبنى ، فقمت وعدت إليه في الثالثة وسألته عن المسألة بعينها فاجتمع إلىّ وقال لا تقل هكذا ، أظنك تريد أن تسأل عن أول قدم يضعه المريد في الإرادة ؟ فقلت نعم ، فقال لي إذا اجتمع فيه أربع خصال : أن تطوى له الأرض وتكون عنده كقدم واحد ، وأن يمشى على الماء ، وأن يأكل من الكون متى أراد ، وأن لا تردّ له دعوة ؛ فعند ذلك يضع أول قدمه في الإرادة ، وأما متى علم المريد عندنا أنه مريد سقط من حدّ الإرادة ، قال الشيخ أبو العباس بن العريف رضي اللّه عنه فصحت صيحة واحدة كادت نفسي تذهب معها ثم قلت له آيستنا من الإرادة يا أبا القاسم ، وتعجبت من علوّ همة هذا الشيخ رضي اللّه عنه وعن الجميع ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الخامسة والستون بعد الأربع مئة : عن الشيخ عبد اللّه القرشي ) أنه سمع شيخه أبا يزيد القرطبي رضي اللّه عنه يقول لما سأله عن بدايته رجاء فائدة ينتفع بها قال : يا بنىّ أمر غريب ، ما أدخلني في هذا الطريق إلا أمر مزعج ، وإنما كنت من التجار كان لي دكان في العطارين ، وكنت لا أبيع من السلع إلا ما عزّ ثمنها وعزّ وجودها ، وكان لباسى مثل ذلك ، فدخلت يوما إلى الجامع لأصلى صلاة الصبح قضاء ، فلما تممت الصلاة رأيت حلقة كبيرة ، فمضيت إليها وأنا حينئذ لا علم لي بالصالحين إلا على ما يقوله العوام من أنهم في البراري والجبال ، فوقفت عليهم وسمعت القارئ يقرأ في حكايات الصالحين ومجاهداتهم مثل حكاية أبى يزيد ، فقلت في نفسي بصوت لا يسمعني إلا من