عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

39

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

من رثاثة الحال والتوحش والانعزال ، وغير ذلك مما لا يمكن فيه الاستيعاب ، ولا يسع بعضه هذا الكتاب من أولى بهذه المذكورات وأشباهها ، ومن المشكور الممدوح بحسن ثنائها أهل هذه الأوصاف المذكورات المحمودات ، أم أهل أضدادها من الصفات المذمومات ؟ فأىّ الفريقين أولى بالهداية ، أهل المجاهدات أم غيرهم ؟ وقد قال اللّه تعالى ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) وأيهما أولى بعزل سلطان الشيطان عنه ، أهل التوكل أم غيرهم ؟ وقد قال اللّه تعالى : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وأيهما أولى بالرجولية ، الذين قال اللّه تعالى فيهم ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) ، أم الذين قال اللّه فيهم ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ) ؟ وأي الفريقين أولى بقوله صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح « ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه » ؟ وأيهما أولى بفساد الدين : أهل الحرص والطمع ، أم أهل الزهد والورع ؟ وأيهما أولى بقوله تعالى ( إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) الأغنياء أم الفقراء ؟ وأيهما أولى بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة » الحديث المتفق على صحته أهل المال والثروة ، أم أهل الفقر والقلة ؟ وأيهما عباد الرحمن المذكورون في سورة الفرقان والذين قال فيهم الملك المنان ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * وأيهما عبيد الدنيا والشيطان اللعين الذين قال اللّه سبحانه فيهم ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) والذين قال فيهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم « تعس عبد الدينار والدرهم » وأيهما أولى باتباع السنة والاقتداء بالشريعة : أهل الزهد والجدّ والأخذ بالعزائم الرفيعة ، أم أهل الرخص والتوانى وحبّ الدنيا الوضيعة الذين يحسبون أن السنة في متابعة الحظوظ النفسية ، ولا يدرون أن أشرف الاتباع رفض الدنيا والاتصاف بالصفات السنية ، فكم من زاعم أنه مقتد بالسنة ومتبعها وهو تارك للفروض ومضيعها ، كما قال السيد الجليل العارف بشر بن الحارث رضي اللّه عنه لما قيل له الناس يقولون إنك تارك للسنة يعنون ترك التزوّج ، فقال : قل لهم أنا مشغول بالفرض عن السنة . وهل الفرض المتعين إلا إزالة الصفات المذمومات من القلب من الحقد والحسد والرياء والعجب والكبر والأمل والغيبة والنميمة والكذب والتصنع والسمعة والخيلاء والشحّ ، والنفاق ، وغير ذلك من رذائل الأخلاق التي تطهر منها أهل الخوف والإشفاق والأكياس الحذّاق ، أم الفرض المذكور معرفة البيوع والطلاق التي قدّمها الجهال