عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

385

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

القرشي رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به : لما جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر توجهت لأدعو ، فقيل لا تدع فما يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء ، فسافرت إلى الشام ، فلما وصلت إلى قريب ضريح الخليل عليه الصلاة والسلام تلقاني الخليل صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت له يا خليل اللّه ، اجعل ضيافتى عندك الدعاء لأهل مصر ، فدعا لهم ففرّج اللّه عنهم * قلت وقوله : تلقاني الخليل عليه الصلاة والسلام قول حقّ لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماوات والأرض ، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات ، كما نظر النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم موسى عليه السّلام يصلى في الأرض . ونظر أيضا جماعة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات وسمع منهم مخاطابات ، وقد تقدم أنه يجوز للأولياء رضى اللّه تعالى عنهم من الكرامات ما يجوز للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من المعجزات بشرط عدم التحدي . ( الحكاية الثانية والخمسون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) روى أيضا أنه لما وصل الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه إلى القدس ، كان معه الفقيه أبو الطاهر المحلى ، فمرّ الفقيه أبو الطاهر المذكور يوما على مدرسة بالقدس والفقهاء جالسون على بابها بأعظم هيئة ولباس وزىّ وأكثرهم أعجام ، فاستحيا أن يمرّ عليهم لحقارته في نفسه وهو شاب فقير أسود ، ورثّ الحالة ، فلما رجع إلى الشيخ وبات معه إلى الصبح ، قال له الشيخ امض إلى المدرسة التي مررت عليها ، كن بها معيدا ، قال فتعجبت وعظم ذلك علىّ واستحلت وقوعه ولم يمكنني إلا الامتثال ، فجئت إليها وأنا أتوهم أن البواب يمنعني من الدخول ، فلم يمنعني ، فدخلت ووجدت المدرّس جالسا وحلقة كبيرة دائرية عليه ، فأردت أن أدخل في الحلقة فلم يفسح لي منهم احتقارا واستهانة بي ، فجلست خلفهم وإذا برجل دخل من باب المدرسة ، فلما رآه المدرس عبس وجهه وقام إليه يتلقاه ، وانقبضت الجماعة بأسرهم ، فقلت للذي أنا وراء ظهره : يا أخي ما للجماعة ؟ قال هذا الذي دخل جدلىّ خلافي لا يطاق ، وإذا جاء لا يبقى للشيخ معه كلام إلا ملاطفته ، ولا يستطيع أحد مجاراته ، فلما تلقاه الشيخ أجلسه في مكانه ، فلما قعد استفتح وألقى مسئلة خلافية عقدت ، فلما استكمل إيرادها فتح على حفظ سؤاله والجواب عنه ، فزاحمت ودخلت بين اثنين وانطلق