عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

375

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

بريئا من الحظ والقصد في أمرى ، فانشرحت لذلك من جهة الشيخ ، ومضيت إلى دار والدي ، وحبست نفسي في خزانة ، وآليت أن لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا أخرج إلا إن أراد الشيخ ، فسأل عنى والدي فأخبروه بطرد الشيخ لي ، وما صممت عليه ، فقال إذا اشتدّ به الجوع والعطش يحتاج يأكل ويشرب ، فأقمت إلى ثالث يوم على ذلك الحال ، فاستيقظ والدي من النوم وقال قولوا له يذهب إلى الشيخ ويفعل بنفسه ما يختار ، فقلت لا أروح حتى يروح والدي إلى الشيخ ويسأله قبولى ، وقصدت بذلك إعزاز الشيخ فقال : نعم فاستدعى به وخرج ماشيا من بيته إلى مسجد الشيخ وأنا معه فقبل يد الشيخ وقال : يا سيدي هذا ولدك تصرّف فيه كيف شئت ، وأود لو كنت مكانه ، فقال له الشيخ أرجو أن ينفعك اللّه به ، فسلمني إلى الشيخ ومضى أعظم اللّه أجره وجزاه عنى خيرا ، فأقمت بعد ذلك شهرا ما رأيته وأنا أحمل كل يوم على كتفي جرّتين ماء إلى زاوية الشيخ حافيا والناس يخبرونه بذلك ، فيقول تركته للّه تعالى ، أسأل اللّه ألا يضيع له أجر ذلك ، وأن يجازيه بما هو أهله ، ثم بعد وفاة الوالد رأيت في النوم كأن الشيخ قال لي : يا صفى الدين قد زوجتك ابنتي ، فلما استيقظت بقيت متحيرا لا يمكنني من الحياء أن أخبره ، وإن لم أخبره تكون خيانة بكونى أخفى عليه شيئا رأيته ، فالتفت إلىّ ، وقال رأيت كذا وكذا ، فقال يا بنىّ هذا كان من الأزل أو كما قال ، فزوّجنى إياها وكانت من أولياء اللّه تعالى ، على وجهها نور لا يخفى على أحد ممن يراها أنها ولية للّه تعالى ، وأنها من أهل الجنة ، ورزقت منها أولادا فقهاء فقراء ، وعشنا في بركتها بعد موت أبيها زمانا كثيرا ، وكانت كثيرة المكاشفات أخبرت بوقت موتها قبله بسنة ، وأخبرت قريب موتها بعجائب ووقائع تقع بعد موتها ، فوقعت فكانت تقول في نزعها لنفسها ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) وتكرر ذلك إلى أن خرجت روحها ، رضى اللّه تعالى عنها . ( الحكاية الثالثة والأربعون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين المذكور ) قال الشيخ صفىّ الدين المذكور رضي اللّه عنه في رسالته : وممن رأيت بدمشق الشيخ على الكردي رضي اللّه عنه ، كان ظاهر الوله ، وكان يتحكم في أهل دمشق تحكم المالك ، ولما دخلت دمشق كنت في حشكلة من الغلمان واللباس والأهل وأنا ابن ثلاث