عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
355
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
رجع بعد الذكر المذكور إلى فراشه ، فلما كان وقت الفجر قام وأذن وصلى ركعتي الفجر من غير أن يجدد وضوءا ، ثم خرج إلى الصلاة ، فأقمت عندهم شهورا على هذا فلما كان يوم عرفة قال لي اقرأ اليوم سورة الأنبياء وسورة الحج ، وكلما مررت بذكر نبىّ من الأنبياء فصلّ عليه وعلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإنك إذا فعلت ذلك أعطاك اللّه تعالى ثواب من حجّ إلى بيته الحرام ؛ فلما صلى الضحى جاءني الحسن وأخذ بيدي من المسجد فجئنا إلى الدار ، فإذا القوم تهيئوا للإحرام ، فدفع إلىّ إزارين وقال لي انو الإحرام ، ثم خرجنا من الدار وقد حملوا معهم سطلا صغيرا مملوءا دراهم صحاحا ، فلما جاوزنا المقابر صلينا ركعتين وقال لي انو الحجّ ، فنويت ، ثم لبوا فلبيت معهم ، وسجدوا فسجدت معهم ؛ فلما كان بعد ساعة رفعوا رؤوسهم ورفعت رأسي معهم ، فرأيت جبالا وأرضا لا أعرفها ، ورأيت جمالا وناسا سائرين ، فقال لي إبراهيم هؤلاء قوم خارجون من منى يريدون عرفة ، ثم أخذوا بيدي فسرنا حتى وافينا مسجد عرفات ، فاشتروا ماء فاغتسلنا ، واشتروا تمرا وخبزا ، فقال لي إبراهيم : كل ، فقلت إني صائم ، فقال لا تخالف نبيك محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فقد أفطر في مثل هذا اليوم ؛ فلما كان عند غروب الشمس دفعوا إلىّ السطل وفيه الدراهم ، فقال لي إبراهيم خذ هذا فاستعن به على أمرك وعليك بالشام ، قم افترقنا فلم أرهم بعد ذلك ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم * قلت : قوله أفطر في مثل هذا اليوم ، يعنى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أفطر يوم عرفة بعرفة في حجة الوداع ، والسنة للواقفين الإفطار على الصحيح ولغيرهم الصيام ، وصومه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ، هكذا في الحديث ، وإنما شرع الفطر للواقفين لأنه أعون على الدعاء والعبادة المشروعة في ذلك اليوم من الأذكار والتلبية وغير ذلك . ( الحكاية السادسة عشرة بعد الأربع مئة عن بعض الشيوخ ) قال بعض الشيوخ : اعتللت علة شديدة أيست من نفسي وأيس منى من رآني ، فبينما أنا في أشد ما كنت ، رأيت في المنام في ليلة جمعة كأن رجلا دخل علىّ فجلس عند رأسي ، ودخل بعده خلق كثير ، وكانوا في وقت الدخول يشبهون الطيور ، فلما جلسوا صاروا في صورة الآدميين ، فلم يزالوا يدخلون وعيني إلى الباب فلما انقطع دخولهم رفع ذلك الرجل رأسه وقال قصدي هذا البلد لعيادة ثلاثة ،