عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

339

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

اللّه ، فتبعنى الشاب حتى خرجت إلى ظاهر المدينة فودعنى وناولني صرة وخبزا وحلواء ، وقال يا سيدي هذه زوادة ، فاقبلها للّه تعالى ، فحملتها ومشيت يومين ، ثم دخلت مدينة أخرى وقصدت الفقراء بالذي معي أوصله إليهم ؛ فبينما أنا كذلك ، وإذا أنا بشيخ حسن الصورة قد استقبلني في الطريق ، فسلمت عليه وقلت : هذا ولى اللّه ، وكان وقت الصلاة ، فدخلت المسجد فصليت وجلست ، فأدركتنى سنة فنمت ، فهتف بي هاتف وقال لي الصرة التي معك أعطها للشيخ صالح الذي مر عليك ، فهو من عباد اللّه الصالحين ، فانتبهت من منامي وخرجت في الوقت لطلبه ، وقلت : اللهم بحرمته عليك اجمع بيني وبينه ، فما استتممت كلامي إلا وقد استقبلني في الطريق وبيده إبريق ماء قد حمله من النهر ، ففتحت الصرة ، فوجدت فيها خمسة دنانير وخمسة دراهم ، فجمعتها وقبلت يده ودفعتها إليه ، فأخذها من يدي وقال : يا بنى من رأى غير اللّه لم ينل من اللّه شيئا ، فقلت يا سيدي ادع اللّه لي ، فقال يحفظك اللّه ويحفظ عليك ويحفظ بك ، فقلت أوصني ، فقال : عليك بالإخلاص وحفظ العهد فيما بينك وبين اللّه تعالى ثم تركني وانصرف ، رضى اللّه تعالى عنه . ( الحكاية الثالثة بعد الأربع مئة عن رجل باع نفسه في حق الفقراء ) حكى أن رجل باع نفسه للفقراء في حق الفقراء ، فقيل له لم فعلت هذا ، ولم تبيع نفسك ؟ فقال : يا قوم ما فعلت ذلك إلا لأمر أطلعنى اللّه عليه ، كنت نائما فرأيت في المنام ملكين قد وقفا بين يدي ، فسألني أحدهما فقال : ما تقول في قول اللّه تعالى ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * قلت اللّه أعلم ، قال لابد أن تقول ، قلت من كان عبدا للّه لم يكن للعدو عليه سلطان ، فقال الآخر : ما صفات العبد ؟ قلت اللّه أعلم ، قال لابد أن تقول ، قلت : صفات العبد امتثال أوامر سيده ، مجتنبا لنواهيه في كل حال ، ثم غاب عنى فلما أصبحت فكرت في حالي ، فلم أر نفسي أهلا للعبودية ولا للمراقبة ، ولم أر أحدا له الصفات المحمودة إلا هذه الطائفة ، فقلت أبيع نفسي لهم فأكون من عبيد العبيد ، فبعتها لهم وها أنا عبد من عبيد عبيدهم ، ثم بكى وقال : وحقه ما رأيت نفسي أهلا لمجالسته ولا لمراقبته ولا ممن يصلح لخدمته رحمة اللّه عليه ، وحكى أيضا عن بعض الفقراء قال : كنت يوما متفكرا في نفقة العيال ، فاشتغل قلبي ساعة ،