عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

284

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة من الحلى والثياب الفاخرة ، وإذا بها لا يمر بها أحد إلا جرحته ، فإذا هي إن أدبرت كانت أحسن شئ رآه الناس ، وأن أقبلت كانت أقبح شئ رآه الناس ، عجوز زرقاء شمطاء عمشاء ، قال : فقلت لها أعوذ باللّه منك ، فقالت لا واللّه لا يعيذك اللّه منى حتى تبغض الدرهم ، قلت من أنت ؟ قلت أنا الدنيا ، نعوذ باللّه منها . ( الحكاية الثالثة والعشرون بعد الثلاث مئة : عن إبراهيم بن بشار رضي اللّه تعالى عنه ) قال : كنت مع إبراهيم بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه في سفر ، وليس معنا شئ نفطر عليه ولا بنا حيلة ، قال فرآني الشيخ مغتما ، يعنى ابن أدهم ، فقال لي يا ابن بشار ماذا أنعم اللّه على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة في الدنيا والآخرة ؟ لا يسألهم اللّه يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج ولا عن صدقة ولا عن صلة رحم ولا عن مواساة ، وإنما يسأل ويحاسب هؤلاء المساكين ، يعنى الأغنياء ، ثم قال : إن الأغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة ، أعزة في الدنيا أذلة يوم القيامة ، ولا تغتم ولا تحزن ، فرزق اللّه مضمون سيأتيك ، نحن واللّه ملوك الأغنياء تعجلنا الراحة في الدنيا والآخرة ، ولا نغتم ولا نحزن ولا نبالى على أي حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا اللّه تعالى ، ثم قام إلى صلاته وقمت إلى صلاتي ، فما لبثنا إلا ساعة وإذا نحن برجل قد جاءنا بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه بين أيدينا وقال : كلوا رحمكم اللّه ، فسلم إبراهيم من صلاته وقال : كل يا مغموم يا حزين ، فمر بنا سائل ، فقال أطعموني شيئا لوجه اللّه تعالى ، فأعطاه إبراهيم ثلاثة أرغفة وتمرا وأعطاني ثلاثة أرغفة وتمرا وأكل هو رغيفين ، وقال : المواساة من أخلاق المؤمنين ، ثم أنشأ يقول : أخي نحن واللّه الملوك حقيقة * لنا الملك في الدارين والعز والغنى نولى ونعزل والملوك جميعهم * لنا خدم والذل يجزون والعنا ( الحكاية الرابعة والعشرون بعد الثلاث مئة عن الشبلي رضي اللّه عنه ) قال : خرجت ذات يوم أريد البادية ، فرأيت شابا صغير السن نحيل الجسم أشعث أغبر ، عليه ثياب رثة وهو جالس في الجبانة يمرغ خدية بين القبور ، وجعل يرمق السماء تارة بعد تارة ، ويحرك شفتيه ، والدموع تسيل من عينيه وهو