عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
285
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
مستغرق في الدعاء والذكر والاستغفار ، ولا يشغله شاغل عن التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد والتعظيم ، فلما رأيت الشاب على تلك الحالة مالت نفسي إليه وطابت على لقائه ، فتركت الطريق التي أروح عليها وقصدت نحوه ؛ فلما رآني أقبلت إليه انتفض من مكانه وقام يمشى هاربا منى ، فنهضت نفسي في اتباعه لعلى ألحقه ، فلم أقدر على إدراكه ، فقلت له رفقا يا ولى اللّه ، فقال واللّه لا أفعل ، فقلت بحقه إلا ما صبرت ، فأشار بأصبعه لا أفعل وقال اللّه ، فقلت له إن كان حقا ما تقول أرني صدقك مع اللّه تعالى ، فنادى بصوت عال اللّه اللّه اللّه ، ووقع على الأرض مغشيا عليه ، فدنوت منه وحركته ، فإذا هو ميت من ساعته ، فتوهمت من ذلك وتعجبت من حاله وصدقه مع اللّه تعالى ، وقلت يختص برحمته من يشاء ، وقلت لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، ثم تركته في موضعه وسرت إلى حي من أحياء العرب لآخذ في جهازه وإصلاح شأنه ، فلما رجعت إليه حجب عنى فطلبته في مكانه فلم أجد له أثرا ولا سمعت له خبرا فبقيت متحيرا ، وقلت حجب عنى هذا الشاب ، ومن سبقني إليه ؟ فسمعت قائلا يقول : يا شبلى قد كفيت أمر الفتى وما تولاه إلا الملائكة ، فعليك أنت بعبادة ربك ، وأكثر الصدقة من مالك ، فما بلغ الفتى ما بلغ إلا بصدقته يوما في الدهر ، فقلت سألتك باللّه إلا ما أخبرتني ما هي تلك الصدقة ؟ فقال لي : يا شبلى إن هذا الفتى كان في أول عمره عاصيا مذنبا فاسقا زانيا ، فعرض اللّه عليه رؤيا أفزعته وأقلقته ، وهي أنه رأى في المنام أن إحليله قد رجع ثعبانا ودار بفيه ، ثم أطلق من فيه لهيب النار فأحرقه حتى عاد كالفحمة السوداء ، فانتبه فزعا مرعوبا ، وخرج فارا بنفسه مشتغلا بعبادة ربه ، وله اليوم منذ رجع إلى طاعة ربه اثنتا عشرة سنة وهو على حالة التضرع والبكاء والخشوع والخوف ، فلما كان بالأمس وقف له سائل سأله قوت يوم ، فخلع ثيابه وسلمها إليه ، ففرح السائل بذلك وبسط كفيه ودعا له بالمغفرة ، فأجاب اللّه تعالى دعاءه ببركة الصدقة التي أفرحه بها كما جاء في الحديث « اغتنموا دعوة السائل عند فرحة قلبه بالصدقة » . ( الحكاية الخامسة والعشرون بعد الثلاث مئة : عن أبي جعفر بن خطاب رضى اللّه تعالى عنه - وكان يقال إنه من الأبدال ) قال : وقف على بابى سائل ،