عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

271

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

( الحكاية الرابعة بعد الثلاث مئة : عن بعض أهل العراق ) قال : كنت أقرأ عند أبي بكر بن مجاهد المقرى رضى اللّه تعالى عنه ، فدخل عليه شيخ عليه ثياب رثة ، فسأله أبو بكر عن حال أولاده ، فقال : يا أبا بكر جاءتني البارحة ابنة ثالثة ، وطلب منى أهلي دانقا يشترون به سمنا وعسلا يحنكونها به ، فلم أقدر عليه ، فبت مهموما مغموما محزونا ، فرأيت النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم في المنام ، فقال : يا فلان لا تغتمّ ولا تحزن ، إذا كان غدا ادخل على علىّ بن عيسى وزير الخليفة ، فأقرئه منى السلام وقل له بعلامة أنك صليت علىّ عند قبرى أربعة آلاف مرّة يدفع إليك مئة دينار عينا . قال الراوي ، فقال لي أبو بكر يا عبد اللّه في هذا فائدة وقطع على القرّاء ، وأخذ بيد الشيخ ودخل به على الوزير فرأى الوزير مع ابن مجاهد شيخا لم يعرفه ، فقال له من أين هذا يا أبا بكر ؟ فقال يدنيه الوزير ويسمع كلامه ، قال : ما خطبك أيها الشيخ ؟ فقال إن أبا بكر يعلم أن لي ابنتين وجاءتني ابنة ثالثة البارحة فطلب منى أهلي دانقا يشترون به سمنا وعسلا يحنكونها به ، فلم أقدر عليه ، فبت مهموما ، فرأيت النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم في المنام وهو يقول لي كذا وكذا ، وذكر ما تقدم ، قال : فاغرورقت عينا علىّ بن عيسى بالدموع وقال : صدق اللّه ورسوله وصدقت ، أنت رجل صالح ، هذا شئ ما كان يعلم به إلا اللّه ورسوله ، يا غلام هات الكيس فأحضره بين يديه ، فأخرج منه ثلاث مئة دينار ، وقال هذه المئة التي قال لك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذه مئة أخرى بشارة ، وهذه مئة أخرى هدية لك ، فخرج الرجل ومعه ثلاث مئة دينار ، وقد زال عنه همه وغمه وحزنه . قلت : وكما حصل لهذا الرجل من رحمة اللّه تعالى وبركة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حصل ذلك الخير لوزير الخليفة علىّ بن عيسى المذكور ، إذ ترك الوزارة ، وعلو الرياسة ، وظلم السلطنة ، وعظمة الجبابرة ، وذهب إلى مكة وجاور بها ، فما ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وخصمه بذلك بذلك إلا لما علم اللّه ورسول ما يؤول إليه أمره من الخير . وذلك أنه روى أن علي بن عيسى ركب في موكب عظيم ، فجعل الغرباء يقولون من هذا ؟ من هذا ؟ فقالت امرأة قائمة على الطريق إلى كم تقولون من هذا من هذا ؟ عبد سقط من عين اللّه فابتلاه اللّه بما ترون ، فسمع علىّ بن عيسى ذلك ، فرجع إلى منزله ، فاستعفى من الوزارة وذهب إلى مكة وجاور بها رحمه اللّه .