عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

272

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

( الحكاية الخامسة بعد الثلاث مئة عن الشيخ أبى الحسن الشاذلي رضى اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في ليلة القدر ، وكانت ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان ليلة جمعة ، فقال لي يا علىّ طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد اللّه في كلّ نفس ، قال فقلت يا رسول اللّه ، وما ثيابي ؟ قال اعلم أن اللّه قد خلع عليك خمس خلع : خلعة المحبة ، وخلعة المعرفة ، وخلعة التوحيد ، وخلعة الإيمان ، وخلعة الإسلام ؛ فمن أحب اللّه هان عليه كل شئ ، ومن عرف اللّه صغر في عينيه كل شئ ، ومن وحد اللّه لم يشرك به شيئا ، ومن آمن باللّه أمن من كل شئ ، ومن أسلم اللّه لم يعصه ، وإن عصاه اعتذر إليه ، وإن اعتذر إليه قبل عذره ، قال : ففهمت عند ذلك تفسير قوله تعالى ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) انتهى كلامه . قلت : إنما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ومن أحب اللّه هان عله كل شئ » لأن المحب يذل نفسه لمحبوبه ، فكل ما أصابه من تعب وشدّة هان عليه في رضا محبوبه ، ولأنه لا يرى في الوجود إلا فعل المحبوب ، ذي الفضل والكرم والجود وكلّ ما يفعل المحبوب محبوب ، وإنما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من عرف اللّه صغر في عينيه كلّ شئ » لأن العارف باللّه شهد من جلال اللّه وعظمته وكبريائه وقدرته ما صغر سواه من جميع بريته ، ومع هذا يعظم ويكرم ويشرف ويحترم من اصطفاه اللّه وعظمه وشرّفه وكرّمه من الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام وسائر المصطفين من الأنام تعظيما لائقا بمخلوق مخصوص بالاصطفاء والمحبة ليس بينه وبين تعظيم الخلق نسبة ، وإنما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ومن وحد اللّه لم يشرك به شيئا » لأن التوحيد ينافيه الشرك ، والمراد بهذ الشرك الشرك الخفىّ الذي يعرفه العارفون باللّه تعالى ويحترزون منه ، لئلا يقدح في توحيدهم الحقيقي الخاص . وأما الشرك الجلى فيعرفه أهل التوحيد الخاصّ والعام ، ويقدح في التوحيدين معا . ومما يقدح في التوحيد الخاصّ دون العام محبة غير اللّه تعالى لغير اللّه كمحبوبات النفس وشهواتها المباحات إذا لم يقصد بها الاستعانة على طاعة اللّه تعالى . وأما محبة غير اللّه تعالى للّه عزّ وجل ، فلا تقدح في التوحيدين معا ، وللنفس أغراض وحظوظ دقيقة خفية في بعض الأعمال لا يفطن لها ولا يحترز منها إلا الرجال أهل المقامات والأحوال ، هي عندهم من الشرك الخفي . من ذلك ما قال بعضهم : من عبد اللّه طمعا