عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

226

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

له الفقراء : من يكون الشيخ بعدك ؟ قال الذي يقع على رأسه طائر أخضر في اليوم الثالث من موتى عندما يجتمع الفقراء هو الشيخ ؛ فلما توفى اجتمع الفقراء عند قبره ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الثالث وفرغوا من القراءة والذكر ، قعدوا ينتظرون ما وعدهم الشيخ ، فإذا بطير أخضر وقع قريبا منهم ، فبقى كل أحد من كبار الفقراء ينتظر ذلك ويتمناه ، فبينما هم كذلك ينتظرون الوعد الكريم وما يكون فيه من تقدير العزيز العليم ، وإذا بالطائر قد طار ووقع على رأس جوهر ولم يكن يخطر له ولا لأحد من الفقراء ذلك فقام إليه الفقراء ليزفوه إلى زاوية الشيخ ، وينزلوه منزلة المشيخة ، فبكى وقال : كيف أصلح للمشيخة ، أنا رجل سوقي وأمي لا أعرف طريق الفقراء وآدابهم ، وعلىّ تبعات ، وبيني وبين الناس معاملات ، فقالوا له هذا أمر سماوي نزل ولابد لك منه ، واللّه تعالى يتولى تعليمك ومعونتك وهو يتولى الصالحين ، فقال امهلونى حتى أمضى إلى السوق ، وأبرأ من حقوق الخلق فأمهلوه ، فذهب إلى دكانه ووفى كل ذي حق حقه ، ثم ترك السوق ولزم الزاوية ولازمه الفقراء وصار جوهرا كاسمه ، وله رضى اللّه تعالى عنه من الفضائل والكرامات ما يطول ذكره فسبحان المنان الكريم ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم ! وقال بعض العارفين رضي اللّه عنه : من تولته رعاية الحق أجل ممن تؤدبه سياسة العلم ، ولقد أحسن في هذا المقال . وقال آخر منهم : يحتاج المسافر في سفره أو قال السالك في سلوكه إلى أربعة أشياء : علم يسوسه ، وذكر يؤنسه ، وورع يحجزه ، ويقين يحمله . قلت : ومن حصل له ما قاله الأول من تولى رعاية الحق لا يحتاج إلى هذه الأربعة المذكورة لأنه حينئذ يكون معلما ومؤنسا ومحفوظا ومحمولا ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ( الحكاية الحادية والأربعون بعد المائتين ) روى أن ابن السماك رضي اللّه عنه وعظ يوما ، فأعجبه وعظه ، فلما انصرف إلى منزله ونام سمع قائلا يقول : يا أيها الرجل المعلم غيره * هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقامة والضنى * ومن الضنى والداء أنت سقيم وأراك تلقح بالرشاد عقولنا * صفة وأنت من الرشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم