عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
213
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
صوتا أهطل مدامعى ، وهيج بلابل حزنى ، فاتبعت الصوت حتى أوقفنى بباب مغارة في سفح ذلك الوادي ، فإذا الكلام يخرج من جوف المغارة ، فاطلعت فيها فإذا برجل من أهل التعبد والاجتهاد ، فسمعته يقول : سبحان من نزه قلوب المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه ، سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوى البصائر ، فهي لا تعتمد إلا عليه ، سبحان من أورد حياض المودة نفوس أهل المحبة ، فهي لا تحن إلا إليه ، ثم أمسك فقلت : السلام عليك يا حليف الأحزان وقرين الأشجان ، فقال وعليك لسلام ، ما الذي أوصلك إلى من قد أفرده خوف المسألة عن الأنام ، واشتغل بمحاسبة نفسه عن التنطع في الكلام ، فقلت أوصلتنى إليك الرغبة في التصفح والاعتبار والتماس المواهب من قلوب المقربين والأبرار ، فقال : يا فتى إن للّه تعالى عبادا قدح في قلوبهم زند الشغف نار الومق ، فأرواحهم لشدة الاشتياق تسرح في رياض الملكوت ، وتنظر إلى ما ادخر لها في حجب الجبروت ، قلت صفهم لي ، قال أولئك قوم أووا إلى كهف رحمته ، وشربوا كئوس راح محبته ، ثم قال : سيدي بهم فألحقني ، ولأعمالهم فوفقنى ، قلت ألا توصيني بوصية ؟ قال أحب اللّه تعالى شوقا إلى لقائه ، فإن له يوما يتجلى فيه لأوليائه ، وأنشأ يقول : قد كان لي دمع فأفنيته * وكان لي جفن فأدميته وكان لي جسم فأبليته * وكان لي قلب فأضنيته وكان لي يا سيدي ناظر * أرى به الخلق فأعميته عبدك أضحى سيدي موثقا * لو شئت قبل اليوم آويته رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين وبجميع الصالحين آمين . ( الحكاية السادسة عشرة بعد المئتين : عن ذي النون المصري أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بينما أنا أسير على جبل البنان في جوف الليل إذا أنا بعريش من ورق البلوط وإذا بشاب قد أخرج رأسه من العريش بوجه أحسن من القمر ، فقال شهد لك قلبي في النوازل بنهاية الصفات الكوامل ، وحيرت القلوب في كنه ذاتك وسكرها براح محبتك ، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك ، ولا يحس قلبي أن يألف غيرك ، هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصرون عنك ، ثم أدخل رأسه في عريشه ، وفاتنى كلامه ، فلم أزل واقفا إلى أن طلع الفجر ، ثم أخرج رأسه