عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
206
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية الثالثة عشرة بعد المئتين عن بعضهم ) قال : مررت ببعض القرى فإذا أنا بثلاثة قبور على قدر واحد وهي على نشز من الأرض ، وعليها مكتوب أبيات من الشعر على القبر الأول مكتوب : وكيف يلذ العيش من هو عالم * بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباده * ويجزيه بالخير الذي هو فاعله وعلى القبر الثاني مكتوب : وكيف يلذ العيش من كان موقنا * بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكا عظيما وبهجة * وتسكنه القبر الذي هو آهله وعلى القبر الثالث مكتوب : وكيف يلذ العيش من كان صائرا * إلى جدث يبلى الشباب منازله ويذهب ماء الوجه بعد بهائه * سريعا ويبلى جسمه ومفاصله فقلت لشيخ جلست إليه : لقد رأيت في قريتكم عجبا ، فقال وما هو ؟ فقصصت عليه قصة القبور ، قال وحديثهم أعجب مما رأيته على قبورهم ، فقلت حدثني ، فقال : كانوا ثلاثة إخوة : أمير ، وتاجر ، وزاهد ، فحضرت الزاهد الوفاة ، فاجتمع إليه أخواه وعرضا عليه ما أحب من مالهما ليتصدق به ، فأبى أن يقبل وقال : لا حاجة لي في مالكما ، ولكن أعهد إليكما عهدا فلا تخالفا عهدي ، قالا اعهد ، قال : إذا مت فغسلانى وكفنانى وصليا علىّ وادفنانى على نشز من الأرض ، واكتبا على قبرى هذين البيتين : وكيف يلذ بالعيش من هو عالم * بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباده * ويجزيه بالخير الذي هو فاعله فإذا أنتما فعلتما ذلك ، فائتيانى في كل يوم مرة لعلكما تتعظان ، ففعلا ذلك ، وكان أخوه الأمير يركب في جنده حتى يقف على قبره ، فينزل ويقرأ ما عليه ويبكى ، فلما كان اليوم الثالث جاء كما كان يجئ مع الجند ، فنزل وقرأ وبكى كما كان يبكى ؛ فلما أراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كاد