عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

207

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

يتصدع لها قلبه ، فانصرف مذعورا فزعا ؛ فلما كان الليل رأى أخاه في منامه ، فقال يا أخي ما الذي سمعت في قبرك ؟ قال تلك هدة المقمعة ، قيل لي رأيت مظلوما فلم تنصره ، فأصبح مهموما فزعا ، فدعا أخاه وخاصته وقال : ما أرى أخي أراد بما أوصى أن يكتب على قبره غيرى ، وإني أشهدكم أن لا أقيم بين أظهركم أبدا ، فترك الإمارة ولزم العبادة ، وكان يأوى إلى الجبال والبراري حتى حضرته الوفاة مع بعض الرعاة ؛ فلما بلغ ذلك أخاه أتاه وقال له : يا أخي ألا توصى ؟ قال بأي شئ أوصى ؟ يا أخي ليس لي مال فأوصى به ، ولكني أعهد إليك عهدا إذا أنا مت فادفني إلى جنب أخي ، وأكتب على قبرى هذين البيتين : وكيف يلذ العيش من كان موقنا * بأن المنايا بغتة ستعالجه فتلبسه ملكا عظيما وبهجة * وتسكنه القبر الذي هو آهله ثم زرني ثلاثة أيام بعد موتى ، فادع اللّه لي لعل اللّه يرحمني ، ثم مات ، ففعل أخوه ما أمره به ، فلما كان اليوم الثالث أتاه وبكى عنده ودعا له ؛ فلما أراد أن ينصرف سمع وجبة عظيمة من داخل القبر كادت تذهب عقله ، فرجع قلقا ، فلما كان في الليل رأى أخاه في المنام قد أتاه ، فقال له يا أخي جئتنا زائرا ، فقال هيهات بعد المزار فلا مزار ، واطمأنت بنا الدار ، فقال له كيف أنت ؟ قال بخير ما أجمع التوبة لكل خير ، فقال كيف أخي ؟ قال مع الأئمة الأبرار ، قال فما تأمرنا ؟ قال من قدم شيئا وجده ، فاغتنم وجدك قبل عدمك ، فأصبح معتزلا للدنيا قد انخلع قلبه منها ، وفرق ماله ، وقسم رباعه ، وأقبل على طاعة اللّه عز وجل ، ونشأ له ولد كامل الشباب وجها وكمالا وجمالا ، فأقبل على التجارة حتى حضرت أباه الوفاة ، فقال الابن يا أبت ألا توصى ؟ قال واللّه يا بنى ما لأبيك مال يوصى به ، ولكن أعهد إليك عهدا إذا أنا مت فادفني مع عمومتك ، واكتب على قبرى هذين البيتين : وكيف يلذ العيش من كان صائرا * إلى جدث يبلى الشباب منازله ويذهب ماء الوجه بعد بهائه * سريعا ويبلى جسمه ومفاصله فإذا فعلت ذلك فتعاهدنى ثلاثا ، فادع اللّه لي لعل اللّه أن يرحمني ، ففعل الفتى ذلك ، فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتا اقشعر له جلده وتغير