عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

204

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

مزعجان يحدوان بي إلى منزل ضنك المحل مظلم القعر كريه المقر ، ثم يسلمانى إلى مصاحبة البلى ومجاورة الهلكى تحت أطباق الثرى ، فلو تركت بذلك المنزل مع ضيقه ووحشته وارتعاء خشاش الأرض من لحمي حتى أعود رفاتا وتصير أعظمى رماما ، لكان للبلاء انقشاء وللشقاء انتهاء ، ولكني أدفع بعد ذلك إلى صيحة الحشر ، وأرد أهوال ومواقف الجزاء ، ثم لا أدرى إلى أي الدارين يؤمر بي ، فأي حال يلتذ به من يكون إلى هذا الأمر مصيره ؛ فلما سمع الملك كلامه ، ألقى نفسه عن فرسه وجلس بين يديه وقال : أيها الرجل لقد كدر علىّ مقالك صفو عيشى وملك قلبي ، فأعد علىّ بعض قولك ، واشرح لي ذلك ، فقال له : أما ترى هذه العظام التي بين يدي ؟ قال بلى ، قال : هذه عظام ملوك غرتهم الدنيا بزخرفها ، واستحوذت على قلوبهم بغرورها ، فألهتهم عن التأهب لهذه المصارع حتى فاجأتهم الآجال وخذلتهم الآمال وسلبتهم بهاء النعمة ، وستنشر هذه العظام فتعود أجساما ، ثم تجازى بأعمالها ، فأما إلى دار النعيم والقرار ، وإما إلى دار العذاب والبوار ، ثم غاب الرجل فلم يدر أين ذهب ، وتلاحق أصحاب الملك به ، وقد تغير لونه وتواصلت عبراته ؛ فلما جن عليه الليل نزع ما كان عليه من لباس الملك ، ولبس طمرين وخرج تحت الليل ، فكان آخر العهد به رحمه اللّه تعالى * وأنشدوا : أفنى الملوك التي كانت منعمة * كر الليالي إقبالا وإدبارا يا راقد الليل مسرورا بأوله * إن الحوادث قد يطرقن أسحارا لا تأمنن بليل طاب أوله * فرب آخر ليل أجج النار ( الحكاية العاشرة بعد المئتين عن بعضهم ) حكى أنه كان في الأمم الماضية ملك متمرد على ربه عز وجل ، فغزاه المسلمون وأخذوه أسيرا ، فقالوا بأي قتلة نقتله ؟ فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له قمقما عظيما ويجعلوه فيه ويوقدوا تحته النار ولا يقتلوه حتى يذيقوه طعم العذاب ، ففعلوا ذلك به فجعل يدعو آلهته واحدا بعد واحد : يا فلان بما كنت أعبدك أنقذنى مما أنا فيه ؛ فلما رأى آلهته لا تغنى عنه شيئا ، رفع رأسه إلى السماء وقال : لا إله إلا اللّه ، ودعا مخلصا ، فصب اللّه عليه مثعب ماء من السماء ، فأطفأ تلك النار ، وجاءت