عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

199

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

الناس حتى وصلت إلى الصف الأول فجلست ، وإذا عن يميني شاب حسن المنظر طيب الرائحة ، عليه أطمار صوف ؛ فلما نظر إلىّ قال : كيف تجدك يا سهل ؟ قلت بخير أصلحك اللّه ، وبقيت متفكرا في معرفته لي وأنا لم أعرفه ؛ فبينما أنا كذلك إذ أخذني حرقان بول فأكربنى ، فبقيت على وجل خوفا أن أتخطى رقاب الناس وإن جلست لم يكن لي صلاة ، فالتفت إلىّ وقال يا سهل أخذك حرقان بول ؟ قلت أجل ، فنزع حرامه عن منكبه فغشانى به ، ثم قال : اقض حاجتك وأسرع تلحق الصلاة ، قال فغمى علىّ وفتحت عيني وإذا بباب مفتوح ، وسمعت قائلا يقول لي لج الباب يرحمك اللّه ، فولجت وإذا بقصر مشيد عالي البناء شامخ الأركان ، وإذا بنخلة قائمة وإلى جنبها مطهرة مملوءة ماء أحلى من الشهد ، ومنزل إراقة الماء ومنشفة معلقة وسواك ، فحللت لباسى وأرقت الماء ثم اغتسلت وتنشفت بالمنشفة وتوضأت ، فسمعته يناديني ، ويقول : إن كنت قد قضيت أزبك فقل نعم ، فقلت فنزع الحرام عنى ، فإذا أنا جالس بمكاني ولم يشعر بي أحد ، فبقيت متفكرا في نفسي وأنا مكذب ومصدق نفسي فيما جرى ، فأقيمت الصلاة وصلى الناس ، فصليت معهم ولم يكن لي شغل إلا الفتى لا أعرفه ؛ فلما فرغ تتبعت أثره ، فإذا به قد دخل إلى درب والتفت إلىّ وقال : يا سهل كأنك ما أيقنت بما رأيت ؟ قلت كلا ، قال لج الباب يرحمك اللّه ، فنظرت الباب بعينه ، فولجت القصر فنظرت النخلة والمطهرة والحال بعينه ، والمنشفة مبلولة ، فقلت آمنت باللّه ، فقال يا سهل من أطاع اللّه تعالى أطاعه كل شئ ، يا سهل اطلبه تجده ، فتغرغرت عيناي بالدموع ، فمسحهما وفتحهما ، فلم أر الفتى ولا القصر ، فبقيت متحسرا على ما فاتنى منه ، ثم أخذت رضي اللّه تعالى عنهما ، ونفعنا بهما آمين . ( الحكاية المئتان : عن بعض أصحاب سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما ) قال : خدمت سهلا ثلاثين سنة ، فما رأيته يضع جنبه على الفراش لا في ليل ولا في نهار ، وكان يصلى صلاة الصبح بوضوء العشاء ، فهرب من الناس إلى جزيرة بين عبادان والبصرة ، وإنما فر من الناس لأن رجلا حج سنة من السنين ؛ فلما رجع قال لأخ له : رأيت سهل بن عبد اللّه في الموقف بعرفة ، فقال له أخوه نحن كنا عنده يوم التروية في رباطه بباب بشر الحافي ، فحلف