عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

185

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

وكأني إلى الآن لم أجد حلاوة حسن الخلخالين اللذين صاغتهما يد القدرة * وسألت بعض الصواغ هل يمكن الصيغة على الصفة المذكورة ؟ قال ما نقدر ولا يمكن ذلك ، ولا بد أن يبقى بينهما فصل ظاهر ، فعلمت أنه لا يقدر مخلوق على صنعة الخالق القادر سبحانه وتعالى . ( الحكاية الثامنة والستون بعد المئة عن المؤلف ) قال المؤلف كان اللّه له ، وبلغه من الخير أمله ، وختم بالصالحات عمله : رأيت والدي رحمه اللّه وغفر له وجزاه عنى أفضل الجزاء بعد موته في المنام ، وكأنه عتبان علىّ لكونه مات وأنا غائب عنه غيبة بعيدة المكان ، طويلة الزمان ، فقلت له : أما علمت أن يعقوب عليه السّلام غاب عنه ابنه دهرا طويلا ، وقلت كذا وكذا سنة ، وهو صابر ، فقال يا ولدى وتشبهنا بالأنبياء ، أو قال صبرنا كصبر الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام ؟ ثم رأيته بعد ذلك في أول ليلة من رجب وهي ليلة الجمعة بعد أن قرأت على قبره القرآن الكريم ، فبشرني وسر بلقائى وقال : الحمد للّه الذي منّ علىّ بثلاث خصال : الأولى الاجتماع بك ، ثم انتبهت قبل أن يذكر لي الخصلتين الأخريين ، عامله اللّه بلطفه وعفوه وحلمه ومغفرته وفضله وكرمه وإيانا وجميع المسلمين آمين * قلت : مذهب أهل السنة أن أرواح الموتى ترجع في بعض الأوقات من عليين أو سجين إلى أجسادهم في قبورهم عندما يريد اللّه تعالى ، وخصوصا في ليلة الجمعة ويومها ، ويجلسون ويتحدثون ، وينعم أهل النعيم ، ويعذب أهل العذاب ، وتختص الأرواح دون الأجساد بالنعيم ما كان منها في عليين وفي العذاب ما كان منها في سجين ، وفي القبر يشترك الروح والجسد في النعيم والعذاب عندما تعود الروح إلى الجسد ، إلا ليلة الجمعة ويومها ، فإنه بلغنا أنهم لا يعذبون فيها رحمة من اللّه وشرفا للوقت * قلت : ويحتمل أن يكون رفع العذاب في هذا الوقت المذكور عن عصاة المسلمين دون الكفار لأمرين : أحدهما أن الكافر مخلد في العذاب دون المسلم . والثاني أن المسلم كان يعتقد فضل الجمعة وبركتها دون الكافر واللّه أعلم * وقد تظاهرت أدلة الشرع من الأخبار والآثار الصحيحة الشهيرة على النعيم والعذاب في القبور ونعيم الأرواح التي في عليين ، وعذاب الأرواح التي في سجين على حسب السعادة والشقاوة ، وكل هذا لا يحيله العقل ، ويطول ذكر ما صح فيه من