عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
181
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
فنادى مناد من أهل القبور : يا فلان هذه منازل الأعمال ، أما أصحاب السندس فهم أهل الخلق الحسن ، وأما أصحاب الحرير والديباج فهم الشهداء ، وأما أصحاب الريحان فهم الصائمون ، وأما أصحاب الضحك فهم أصحاب التوبة والإنابة ، وأما أصحاب البكاء فهم المذنبون ، وما أصحاب المراتب فهم المتحابون في اللّه تعالى انتهى كلامه * قلت : هكذا ذكر في الأصل الذي نقلت منه ، أعنى فسر أصحاب المراتب ، ولم يتقدم للمراتب ذكر ، وقد تقدم ذكر السرر ولم يفسر أصحابها بعد من هم ، فلعله أراد بالمراتب السرر المتقدم ذكرها ؛ وأما حقيقة المراتب فهي المناصب الشريفة والمقامات العالية المنيفة ، ولا شك أن أصحاب السرر المذكورة أشرف مرتبة وأعلى منزلة ممن على الأرض وإن كان أهل الأرض على الحرير وغيره ، مع أن السرر المذكورة المعدة للإكرام ، والمرتبة العالية لا تخلو من الفرش العزيزة الغالية وإن لك أن تذكر معها كما قال سبحانه وتعالى ( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) ولم يذكر الفرش في هذه الآية ، ومعلوم أن السرر المذكورة عليها الفرش المذكورة في آيات أخرى . وإذا قال قائل جلس الملك على سريره ، وجلسنا عنده علم من ذلك شيئان : أحدهما أن السرير مفروش وإن لم يذكر ذلك . والثاني أن الملك إنما جلس على السرير ليرتفع على من عنده برفعة المجلس مع رفعة الملك ، ولا يرضى أن يجلس معه غيره على السرير ، ولا يجلس هو مع غيره على الأرض في الغالب * ولما دخل الأحنف بن قيس على بعض الولاة لبعض مصالح المسلمين جلس معه على السرير بغير إذنه ، فرأى الأحنف الغضب في وجهه ، فقال الأحنف : واعجباه كيف يتكبر من يغسل العذرة بيده كل يوم مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أكثر من ثلاث كيف يتكبر على مثله ، ولما دخل عبد المطلب على بعض الملوك أرى منه الملك منظرا وأكرمه ، وكره أن يجلسه على الأرض ، ويجلس هو على السرير ، وكره أيضا أن يجلسه معه على السرير فيشاركه في سرير الملك ومجلس العلو ، فنزل الملك عن سريره وجلس مع عبد المطلب على الأرض وقضى له حاجته التي طلب وبجله ، وخصه بمرتبة عالية على المراتب ، فعلى هذا يكون المتحابون في اللّه تعالى أفضل من سائر المذكورين في هذه الحكاية ، وقد تقدم حديث الترمذي الصحيح ، قال اللّه عز وجل « المتحابون في اللّه لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء » والحديث