عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
173
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
أرنبا ، فبينما هو في طلبه ، إذ هتف به هاتف ، ألهذا خلقت ، أم بهذا أمرت ؟ ثم هتف به هاتف من قربوس سرجه وقال : واللّه ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت ، فنزل عن مركوبه وصادف راعيا لأبيه ، فأخذ جبة الراعي وكانت من صوف ، فلبسها وأعطاه فرسه وما معه ثم دخل البادية ، وكان من شأنه ما كان رضي اللّه عنه . ( الحكاية الخمسون بعد المئة عن الشيخ أبى الفوارس ) حكى أن الشيخ أبا الفوارس شاه بن شجاع الكرماني رضي اللّه عنه خرج للصيد وهو يومئذ ملك كرمان ، فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده ، فإذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع ؛ فلما رأته ابتدرت نحوه ، فزجرها الشاب عنه ؛ فلما دنا إليه سلم عليه وقال له : يا شاه ما هذه الغفلة عن اللّه ، اشتغلت بدنياك عن آخرتك ، وبلذتك وهواك عن خدمة مولاك ، إنما أعطاك اللّه الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة إلى الاشتغال عنه ، فبينما الشاب يحدثه ، إذ خرجت عجوز بيدها شربة ماء ، فناولتها للشاب ، فشرب ودفع باقيه إلى شاه ، فشربه وقال : ما شربت شيئا ألذ منه ولا أبرد ولا أعذب ، ثم غابت العجوز فقال الشاب : هذه الدنيا وكلها اللّه تعالى إلى خدمتي ، فما احتجت إلى شئ إلا أحضرته إلى حين يخطر ببالي ، أما بلغك أن اللّه تعالى لما خلق الدنيا قال لها : يا دنيا اخدمى من خدمنى ، واستخدمى من خدمك ؛ فلما رأى ذلك تاب ، وكان منه ما كان رضي اللّه عنه ، ونفعنا به * وأنشد بعضهم : خدمت لما قد قصرت من خدمك * ودار عندي السرور من نعمك وكانت الحادثات تطرقني * فاحتشمتنى إذ صرت من حشمك ( الحكاية الحادية والخمسون بعد المئة عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) أنه سئل عن سبب توبته ، فقال : كنت شرطيّا ، وكنت منهمكا على شرب الخمر ، ثم إني اشتريت جارية نفيسة ، ووقعت منى أحسن موقع ، فولدت لي بنتا فشغفت بها ؛ فلما دبت على الأرض ازدادت حبا في قلبي ، وألفتنى وألفتها ، فكنت إذا وضعت المسكر جاءت إلىّ وجاذبتنى إياه وأهرقته على ثوبي ، فلما تم لها سنتان ماتت ، فأكمدنى الحزن عليها ؛ فلما كانت ليلة النصف من شعبان ، وكانت ليلة جمعة بت ثملا من الخمر ، ولم أصل صلاة العشاء ، فرأيت كأن أهل القبور قد خرجوا ، وحشر الخلائق وأنا معهم ، فسمعت حسا من ورائي ، فالتفت فإذا أنا