عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

174

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق ، قد فتح فاه مسرعا نحوى ، فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا ، فمررت في طريقي ، فإذا أنا بشيخ نقى الثياب طيب الرائحة ، فسلمت عليه فرد علىّ السلام ، فقلت له أجرني وأغثني ، فقال أنا ضعيف وهذا أقوى منى وأنا ما أقدر عليه ، ولكن مر وأسرع ، فلعل اللّه تعالى أن يسبب لك من ينجيك منه ، فوليت هاربا على وجهي ، فصعدت على شرف من شرف القيامة ، فأشرفت على طبقات النيران ، فنظرت إلى أهوالها وكدت أهوى فيها من فزعى من التنين الذي في طلبي ، فصاح بي صائح : ارجع فلست من أهلها ، فاطمأننت إلى قوله ، ورجعت ورجع التنين فلم تفعل ؟ فبكى الشيخ وقال : أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل ، فإن فيه للمسلمين ودائع ، فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك فنظرت إلى جبل مستدير فيه كوى مخرقة وستور معلقة على كل كوة مصراعان من الذهب الأحمر مرصعة بالياقوت مكللة بالدر ، وعلى كل مصراع ستر الحرير ، فلما نظرت إلى الجبل هربت إليه والتنين ورائي ، حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة : ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا ، فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه ، فإذا الستور قد فتحت ، فأشرف علىّ أطفال بوجوه كالأقمار ، وقرب التنين منى ، فتحيرت في أمرى ، فصاح بعض الأطفال : ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب منه ، فأشرفوا فوجا بعد فوج ، فإذا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علىّ معهم ، فلما رأتني بكت وقالت : أبى واللّه ، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي ، فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمين فتعلقت بها ، ومدت يدها اليمين إلى التنين فولى هاربا ، ثم أجلستنى وقعدت في حجري ، وضربت بيدها اليمين إلى لحيتي وقالت يا أبت ( أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) فبكيت وقلت : يا بنية وأنتم تعرفون القرآن ؟ قالت يا أبت نحن أعرف به منكم ، قلت فأخبرينى عن التنين الذي أراد هلاكى ، قالت ذلك عملك السوء الخبيث قويته فتقوى ، فأراد أن يغرقك في النار ، قلت فأخبرينى عن الشيخ الذي مررت به في طريقي ، قالت يا أبت ذلك عملك الصالح أضعفته ، فضعف حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء ، قلت يا بنية وما تصنعون في هذا الجبل ؟ قالت نحن أطفال المسلمين قد أسلكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ، ننظركم