عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

151

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) وأنشدوا : بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهدا * والموت ويحك لم يمدد إليك يدا فإنما المرء في الدنيا على خطر * إن لم يكن ميتا في اليوم مات غدا ( الحكاية الرابعة والعشرون بعد المئة : عن إسماعيل بن عبد اللّه الخزاعي رحمه اللّه تعالى ) قال : قدم رجل من المهالبة من البصرة أيام البرامكة في حوائج له ، فلما فرغ منها انحدر إلى البصرة ومعه غلام له وجارية ، فلما صار في دجلة إذا بفتى على ساحل دجلة عليه جبة صوف وبيده عكازة ومرود ، فسأل الملاح أن يحمله إلى البصرة ويأخذ منه الكراء ، فأشرف المهلبي ، فلما رآه رق له وقال للملاح : قرب واحمله معك على الطلل ، فحمله ، فلما كان وقت الغداء دعا بالسفرة وقال للملاح : قل للفتى يأتي يتغدى معنا ، فأبى أن يأتي إليه ، فلم يزل يطلب إليه حتى أتى فأكلوا ، حتى إذا فرغوا ذهب الفتى ليقوم ، فمنعه الرجل ، ثم دعا بالشراب فشرب قدحا ، ثم سقى الجارية قدحا ، ثن عرض على الفتى فأبى ، فسقى الجارية وقال : هات ما عندك ، فأخرجت عودا لها في غشاء ، فهيأته وأصلحته ، ثم غنت فقال : يا فتى تحسن مثل هذا ؟ قال أحسن ما هو أحسن من هذا ، فافتتح الفتى وقرأ : بسم اللّه الرحمن الرحيم ( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) وكان الفتى حسن الصوت ، فرمى الرجل بالقدح في الماء وقال : أشهد أن هذا أحسن مما سمعت ، فهل غير هذا ؟ قال نعم ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ، بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) فوقع في قلبه موقعا ، فرمى ظرف الشراب بما فيه في الماء وكسر العود ، ثم قال : يا فتى أههنا فرج ؟ قال نعم ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) فصاح صيحة عظيمة وخر مغشيا عليه ، فنظروا فإذا هو قد فارق الدنيا رحمه اللّه تعالى وكان رجلا معروفا ، فحمل إلى منزله واجتمع الناس ، فما رأيت جنازة أكثر جماعة من جنازته رحمه اللّه تعالى * قال : وبلغني أن الجارية المغنية تدرعت الشعر فوق الصوف ، وجعلت تصوم النهار وتقوم الليل ،