عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
152
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
فمكثت أربعين يوما ، ثم مرت بهذه الآية في بعض الليالي ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ ، بِهِمْ سُرادِقُها ، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ، بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) فلما كان الصبح وجدوها ميتة ، رحمها اللّه تعالى . ( الحكاية الخامسة والعشرون بعد المئة : عن بعضهم ) قال : كنا نمشى على شاطىء الأبلّة في الليل والقمر طالع ، فمررنا بقصر جندي وفيه جارية تضرب بالعود ، وإلى جانب القصر فقير عليه خرقتان ، فسمع الفقير الجارية ، وهي تغنى وتقول : في سبيل اللّه ود * كان منى لك يبذل كل يوم تتلون * غير هذا بك أجمل فصاح الفقير فقال : أعيديه يا جارية بحق مولاك الكبير ، فهذا حالي مع اللّه تعالى ، فنظر صاحب الجارية إلى الفقير فقال لها اتركى العود واقبلى عليه فإنه صوفي ، فجعلت تقول البيتين وترددهما والفقير يقول : هذا حالي مع اللّه تعالى ، والجارية تقول وتردد إلى أن صاح الفقير صيحة وخر مغشيّا عليه ، قال : فحركناه فإذا هو ميت ، رضي اللّه عنه ، فنزل صاحب القصر فأدخله القصر ، فاغتممنا عليه وقلنا : هذا يكفنه بكفن غير طيب ، فصعد صاحب القصر ، وكسر كل ما كان بين يديه ، فقلنا : ما بعد هذا إلا خيرا ، فمضينا إلى الأبلة وأعلمنا الناس ؛ فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر ، وإذا الناس مقبلون من كل وجه إلى الجنازة ، فكأنما نودي في البصرة حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم ، والجندي يمشى خلف الجنازة حافيا حاسر الرأس حتى دفن ؛ فلما هم الناس بالانصراف قال الجندي للقاضي والشهود : اشهدوا أن كل جارية لي حرة لوجه اللّه تعالى ، وكل ضياعي وعقارى حبس في سبيل اللّه ، وفي صندوقى أربعة آلاف دينار هي في سبيل اللّه عز وجل ، ثم نزع الثوب الذي كان عليه ، فرمى به وبقي في سراويله ، فأعطى ثوبين اتزر بواحد واتشح بالآخر ، وهام على وجهه ، فكان بكاء الناس عليه أكثر من بكائهم على الميت * وقال بعضهم : رأيت في تيه بني إسرائيل رجلا قد أنحلته العبادة حتى صار كالشن البالي ، فقلت له : ما الذي بلغ بك إلى هذه الحالة ؟ فنظر إلىّ متعجبا من سؤالي ، فقال : يا هذا ثقل الأوزار ، وخوف النار ، والحياء من الملك الجبار * قال بعضهم في ذلك :