عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
130
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
ولا نصب ، ثم غاب عن عيني فلم أره رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الثانية بعد المئة عن أحد العباد ) حكى أن عابدا من عباد الحرم كان يأتيه رجل كل ليلة بقرصين يفطر عليهما ، ولا يشتغل بغير اللّه عز وجل ، فقالت له نفسه يوما : سكنت في القوت إلى هذا المخلوق ، ونسيت رازق المخلوقين ، ما هذه الغفلة ؟ فلما أتاه الرجل بالقرصين ردهما عليه ، فانصرف عنه وبقي الفقير ثلاثة أيام لم يفتح عليه بشئ من القوت فشكا ذلك إلى ربه سبحانه وتعالى ، فرأى تلك الليلة في النوم وأنه واقف بين يدي اللّه تعالى ، فقال له : يا عبدي ولم رددت ما أرسلت به إليك مع عبدي ؟ فقال : يا رب لما وقع في نفسي من السكون إلى غيرك ، فقال : يا عبدي فمن أرسله إليك ؟ قال أنت يا رب ، قال فأنت تأخذه ممن قال منك ، قال فخذ ولا تعد ، ثم رأى الرجل المتصدق كأنه واقف بين يدي اللّه سبحانه وتعالى ، فقال له : عبدي لمن منعت عبدي قوته ؟ قال يا رب قد علمت ذلك ، فقال : يا عبدي أنت لمن تعطى ، قال : لك يا رب ، قال فأجر الفقير على عادته ، وابق على عادتك وثوابك الجنة ، رضى اللّه تعالى عنهما ، وفي هذا المعنى قلت في : بعض القصائد . فكل جميل أو جمال فجوده * وصنعته عن حكمة ذات إتقان فلا نعمة إلا ومن عنده أتت * إليك وإن جاءتك من عند إنسان ( الحكاية الثالثة بعد المئة : عن أحمد بن أبي الحوارى رضي اللّه عنه ) قال : كنت مع أبي سليمان الدارانى رضي اللّه عنه في طريق مكة ، فسقطت منى السطيحة ، فأخبرت أبا سليمان بذلك ، فقال : يا راد الضالة أردد علينا الضالة ، فلم ألبث حتى أتى رجل يقول : من سقطت منه سطيحة ، فنظرتها فإذا هي سطيحتى ، فأخذتها ، فقال أبو سليمان : حسبت أن يتركنا بلا ماء يا أحمد ، فمشينا قليلا ، وكان برد شديد وعلينا الفراء ، فرأينا رجلا عليه طمران رثان وهو يترشح من العرق ، فقال له أبو سليمان : نواسيك ببعض ما علينا ، فقال : الحر والبرد خلقان من خلق اللّه تعالى إن أمرهما غشيانى ، وإن أمرهما تركانى ، وأنا أسير في هذه البادية منذ ثلاثين سنة ما ارتعدت ولا انتفضت يلبسنى فيحا من محبته في الشتاء ، ويلبسنى في الصيف مذاق برد محبته ، يا دارانى تشير إلى