عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
129
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
وما به علة ولا سقم * أكثر من حبه لمولاه إذا خلا في الظلام مبتهلا * أجابه اللّه ثم لباه قال : فلم يزل يكرر ، عليك يا ذا الجلال معتمدى ، وهو يبكى ، وأنا أبكى رحمة لبكائه ، ثم ذكر كلاما معناه أنه رأى نورا وسمع قائلا يقول : لبيك عبدي فأنت في كنفي * وكل ما قلت قد سمعناه صوتك تشتاقه ملائكتي * وذنبك الآن قد غفرناه * قلت : لعل هذه الرؤية والسماع المذكورين وقعا في حال النوم أو في حال حال وغيبة ، واللّه أعلم ، قال : فسلمت عليه ، فرد على السلام ، فقلت له : بارك اللّه لك في ليلتك وبارك فيك من أنت يرحمك اللّه ، قال : أنا راشد بن سليمان ، فعرفته بما كنت سمعت من أمره وخبره وكنت أتمنى لقياه ، فلم أقدر على ذلك حتى يسر اللّه تعالى ، فقلت له : هل لك في صحبتي ؟ فقال : هيهات وهل يأنس بالمخلوقين من تلذذ بمناجاة رب العالمين ، أما واللّه لو خرج على أهل عصرنا هذا أحد من المشايخ أصحاب النيات الصحيحة لقال هؤلاء أحزاب لا يؤمنون بيوم الحساب ، قال : ثم غاب عن بصرى ، فلم أدر أفي السماء صعد أم في الأرض نزل ، فأشفقت على مفارقته ، ثم سألت اللّه تعالى أن يجمع بيني وبينه قبل الموت ؛ فلما كان في بعض الأعوام خرجت حاجا إلى بيت اللّه الحرام ، فإذا أنا به في ظل الكعبة ، ونفر يقرأون عليه سورة الأنعام ، فلما نظرنى تبسم وقال : هذا لطف العلماء ، وذاك تواضع الأولياء ، ثم قام إلى وعانقنى وصافحني ، وقال : هل سألت اللّه تعالى أن يجمع بيننا قبل الموت ؟ فقلت نعم ، فقال الحمد للّه رب العالمين على ذلك ، فقلت له رحمك اللّه ، أخبرني عما رأيت تلك الليلة وسمعت ، فشهق شهقة ظننت أنه قد انفتق حجاب قلبه ، وخر مغشيا عليه ، ونفر الرهط الذين كانوا يقرأون عليه ، فلما أفاق قال : يا أخي هل يغيب عنك ما للّه تعالى في قلوب أهل محبته من المهابة عن تفسير تلك الإجابة ، فقلت له : فما هؤلاء النفر الذين كانوا حواليك ؟ قال : أولئك نفر من الجن لهم على حرمة لقديم صحبة ، فهم يقرءون على القرآن ، ويحجون معي في كل عام ، ثم ودعني وقال : يا أخي جمع اللّه بيني وبينك في الجنة حيث لا فرقة ولا تعب ولا حزن