عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
128
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية التاسعة والتسعون : عن بنان الحمال رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كنت في طريق مكة أجىء من مصر ومعي زاد ، فجاءتنى امرأة وقالت : يا بنان أنت حمال تحمل على ظهرك وتتوهم أنه لا يرزقك ، قال : فرميت بزادى ثم أتى على ثلاثة أيام لم آكل ، فوجدت خلخالا في الطريق ، فقلت في نفسي : أحمله حتى يأتي صاحبه ، فربما يعطيني شيئا ، فإذا بتلك المرأة ، فقالت : أنت تاجر تقول : يجئ صاحبه ، فآخذ منه شيئا ، ثم رمت إلى شيئا من الدراهم ، وقالت : أنفقها ، فاكتفيت بها إلى قريب من مصر ، وأنشدوا : كم من قوى قوى في تقلبه * مهذب الرأي عنه الرزق منحرف وكم ضعيف ضعيف في تقلبه * كأنه من خليج البحر يغترف هذا دليل على أن الإله له * في الخلق سر خفى ليس ينكشف ( الحكاية المئة : عن الشيخ أبى بكر الكتاني رضي اللّه عنه ) قال : جرت مسألة بمكة أيام الموسم في المحبة ، فتكلم الشيوخ فيها ، وكان الجنيد رضى اللّه تعالى عنه أصغرهم ، فقالوا له : هات ما عندك يا عراقي ، فأطرق رأسه وذرفت عيناه ثم قال : المحب عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، قد أحرق قلبه أنوار هيبته ، وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ، فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فمن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، فهو باللّه وللّه ومع اللّه ، فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا من مزيد ، جبرك اللّه يا تاج العارفين ، وأنشد بعضهم في المحبة . إذا فرقت بين المحبين سلوة * فحبك لي حتى أموت قرين سأصفيك ودى إن حييت وإن أمت * هواك لعظمى في التراب يبين ( الحكاية الأولى بعد المئة : عن الضحاك بن مزاحم رضى اللّه تعالى عنه ) قال : خرجت في ليلة جمعة أريد المسجد الجامع في الكوفة ، وكانت ليلة زاهرة مقمرة ، فإذا أنا بشاب في بعض رحاب المسجد ساجد وهو يجود بالبكاء ، فلم أشك أنه ولى من أولياء اللّه تعالى ، فقربت منه لأسمع ما يقول ، فإذا هو يقول : عليك يا ذا الجلال معتمدى * طوبى لمن كنت أنت معناه طوبى لمن بات خائفا وجلا * يشكو إلى ذي الجلال بلواه