عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
115
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
مرتد بالأخرى ، ليس معه زاد ولا ركوة ، قال : فقلت في نفسي : لو كان مع هذا ركوة وحبل إذا أراد الماء توضأ وصلى كان خيرا له ، ثم لحقت به وقد اشتدت الهاجرة ، فقلت له يا فتى : لو جعلت هذه الخرقة التي على كتفك على رأسك ، تتقى بها الشمس كان خيرا لك ، فسكت ومشى ؛ فلما كان بعد ساعة قلت له : أنت حاف ما ترى في نعلى ، تلبسها ساعة وأنا ساعة ؟ فقال : أراك كثير الفضول ، ألم تكتب الحديث ، قلت بلى ، قال : فلم تكتب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » فسكت ومشينا ، فعطشت ونحن على ساحل البحر ، فالتفت إلى وقال : أنت عطشان ؟ فقلت لا ، فمشينا ساعة وقد كظنى العطش ثم التفت إلى وقال : أنت عطشان ؟ فقلت نعم وما تقدر تعمل معي في مثل هذا الموضع ؟ فأخذ الركوة منى ودخل البحر وغرف الماء وجاءني به ، وقال اشرب ، فشربت ماء أعذب من ماء النيل وأصفى لونا ، وفيه حشيش ، وللّه در القائل : إذا وردوا الأطلال تاهت بهم عجبا * وإن لمسوا عودا زها غصنه رطبا وإن وطئوا يوما على ظهر صخرة * لأنبتت الصماء من وطئهم عشبا وإن وردوا البحر الأجاج لشربة * لأصبح ماء البحر من ريقهم عذبا قال : فقلت في نفسي : هذا ولى للّه تعالى ولكني أدعه حتى إذا وافينا المنزل سألته الصحبة ، فوقف وقال : أيما أحب إليك ، تمشى أو أمشى ؟ فقلت في نفسي : إن تقدم فاتنى ولكني أتقدم أنا وأجلس في بعض المواضع فإذا جاء سألته صحبة ، فقال : يا أبا بكر إن شئت تقدم وأجلس ، وإن شئت تأخر فإنك لا تصحبني ، ومضى وتركني ، فدخلت المنزل وكان به صديق لي ، وعندهم عليل ، فقلت لهم : رشوا عليه من هذا الماء ، فرشوا عليه ، فبرأ باذن اللّه تعالى ، وسألتهم عن الشخص ، فقالوا : ما رأيناه رضي اللّه تعالى عنه ونفع به . ( الحكاية الثامنة والسبعون : عن الشيخ فتح الموصلي رضي اللّه عنه ) قال : رأيت في البادية غلاما لم يبلغ الحلم يمشى ويحرك شفتيه ، فسلمت عليه فرد الجواب ، فقلت له : إلى أين يا غلام ؟ فقال : إلى بيت اللّه الحرام ، قلت له : فبماذا تحرك شفتيك ؟ قال بالقرآن ، قلت فإنه لم يجر عليك قلم التكليف ، قال : رأيت الموت يأخذ من هو أصغر منى سنا ، فقلت خطوك قصير وطريقك بعيد ، فقال :