عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
105
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
الركوع والسجود ، فدنوت منه وقلت له : إنك تكثر الصلاة ، فقال : أنتظر الإذن بالانصراف ، قال : فرأيت رقعة سقطت عليه فيها : من العزيز الغفور إلى العبد الصادق الشكور ، انصرف مغفورا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، رضي اللّه عنه . ( الحكاية التاسعة والستون : عن بعض الصالحين ) قال : بينما أنا جالس عند الكعبة إذ جاء شيخ قد شال ثوبه على وجهه ، ودخل إلى زمزم فاستقى منها بركوة كانت معه ، وشرب فأخذت فضلته ، فشربت فإذا هو ماء مخلوط بعسل لم أذق شيئا قط أطيب منه ، قال : فالتفت لأنظره فإذا هو قد ذهب ، قال : ثم عدت من الغد فجلست عند البئر ، وإذا الشيخ قد أقبل وثوبه مسدول على وجهه ، ودخل من باب زمزم ، واستقى دلوا وشرب ، فأخذت فضلته فشربت منها ، فإذا لبن ممزوج بسكر ، لم أذق شيئا أطيب منه ، رضى اللّه تعالى عنه . ( الحكاية السبعون : عن سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ) قال : مخالطة الولي للناس ذل ، وتفرده باللّه عز ، وقلما رأيت وليا للّه تعالى إلا منفردا . إن عبد اللّه بن صالح كان له سابقة وموهبة من اللّه جزيلة ، وكان يفر من الناس من بلد إلى بلد حتى أتى مكة فطال مقامه فيها ، فقلت له : لقد طال مقامك بها ، قال لي : لم لا أقيم بها ولم أر بلدا ينزل فيه من الرحمة والبركة أكثر من هذا البلد ؟ والملائكة تغدو فيها وتروح ، وإني أرى فيه أعاجيب كثيرة ، وأرى الملائكة يطوفون بالبيت على صور شتى لا يقطعون ذلك ، ولو قلت كل ما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين : فقلت له : أسألك باللّه إلا ما أخبرتني بشئ من ذلك فقال : ما من ولى للّه تعالى صحت ولايته إلا وهو يحضر هذا البلد في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه فمقامى هنا لأجل من أراه منهم . ولقد رأيت رجلا يقال له مالك بن القاسم الجيلى . وقد جاء ويده غمرة ، فقلت له : إنك قريب عهد بالأكل ، فقال لي : أستغفر اللّه تعالى ، فإني أسبوع لم آكل ، ولكن أطعمت والدتي وأسرعت لألحق صلاة الفجر ، وبينه وبين الموضع الذي جاء منه تسع مئة فرسخ ، فهل أنت مؤمن بذلك ؟ قلت : نعم ، قال : الحمد للّه الذي أراني مؤمنا ، قلت : وقدر تسع مئة فرسخ مئة وسبع عشرة مرحلة ، وذلك مسيرة ثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما في مجرد سير النهار دون الليل ، أو بالليل دون النهار ، أخبرني بعضهم أنه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء والأولياء عليهم السلام ،