عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

65

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

[ الحكايات النوادر ] الحكاية الأولى عن الشيخ العارف باللّه الشهير ، الممنوح منزلة الأشياخ ، تاج العارفين أبي الوفا قدّس اللّه روحه قال : سمعت شيخنا أبا محمد الشنبكي - بفتح الشين المعجمة ، وسكون النون ، وفتح الباء الموحدة والكاف - رضي اللّه عنه « 1 » يقول :

--> ( 1 ) قال أبو العباس التادلي : وممن شهد للشيخ عبد القادر الجيلاني أبو محمد الشنبكي ، من قبيلة الشنابكة فرقة من الأكراد السودان . وكان من الأولياء الأعلام ، انتهت إليه رئاسة هذا الشأن فيما حاكاه ابن بادس والوريندي وصاحب الروض وصاحب حرز الأتقياء ، وصحب بعد شيخه ابن هوارة أبا الوفاء شيخ الشيخ سيدي عبد القادر ، وكان كثير التواضع ، شديد الحياء ، واشتهر ذكره في الآفاق ، يقصده الزوار من كل إقليم ، وكان متبعا لآداب الشرع وأحكامه ، مقتفيا لآثار المتقين ، وكان في بدء أمره يقطع الطريق مع أصحاب له بالبطائح ، فأخذوا قافلة وقتلوا ما قتلوا ، واقتسموا من انتهبوا ، ثم صاروا فلما جاءوا زاوية الشيخ ابن هواره قال لأصحابه : اذهبوا أما أنا فقد أخذ الشيخ ابن هوارة بمجامع قلبي ، فلم أستطع أن التفت يمينا وشمالا ، فقالوا له : ونحن معك ، وإذا بالشيخ خارج تلقاهم ، فقالوا : يا سيدي الحرام في بطوننا ، والدماء في سيوفنا ، فقال لهم : زروها ؛ فقد قبلتم على ما فيكم ، فتابوا وتولى الشيخ ابن هوارة سياسة الشيخ الشنبكي ثلاثة أيام ، ثم قال له في اليوم الرابع : سر إلى موضع كذا ، وادع اللّه عز جل ، فقد صرت شيخا مكملا ، فقيل له : بما وصلت إلى اللّه تعالى في ثلاثة أيام ، قال : تركت الدنيا في اليوم الأول ، وتركت الآخرة في اليوم الثاني ، وطلبت اللّه في اليوم الثالث طلبا مجردا عمن سواه فوجدته . واشتهر وظهرت بركاته ، وذكر صاحب حرز الأتقياء أنه سئل عن الشيخ أبو العباس الرفاعي ، فقال : كل السيوف تغمد إلا سيف الشنبكي . ويحكى عنه أيضا أنه مرّ على قوم بأيديهم أواني الخمر ، فقال : اللهم طيب عيشهم في الآخرة ، فصارت أواني الخمر ماء صافيا زلالا ، وألقى اللّه عليهم الخشية ، فصاحوا وتابوا وكسروا الآلات . قلت : ومن المشهور أن أبا يزيد اتفق له في الزّهد كما وقع للشنبكي ، فقال لما سئل عن أي شيء هو الزهد : إنما بقيت ثلاثة أيام زهدت اليوم الأول في الدنيا ، والثاني في الآخرة ، والثالث فيما سوى اللّه ، وفي الرابع همت فيه ، وقيل لي : يا أبا يزيد لا تقوى معنا ، فقلت : هذا الذي أريد . وروي عنه أنه قال : سمعت ذلك في المنام ، فسمعت قائلا يقول لي : وجدت وحرت ، ومات رحمه اللّه عام إحدى وستين ومائتين ، وقيل : أربع وستين وقيل غير ذلك . ومن كلامه رضي اللّه عنه : إن في الليل شرابا لقلوب لأهل المعرفة ، فإذا شربوا لطارت قلوبهم حبّا في الملكوت ، حبّا للّه عز وجلّ وشوقا إليه ، فلذلك يقطعون لياليهم إذا أظلمت عليهم ألا وإن الناظرين إليه لا إلى غيره ذهبوا بصفو الدنيا والآخرة . -