عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
285
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
--> - الحق أو الصالحون لا يسألون الناس شيئا ، ونهاني أن أسأل الناس ، فلما رجعت خرجت إلى موضع ، قال : وكنت اشتغل بالعلم وأزور الصالحين ، وآخذ نفسي بالمجاهدة ، حتى طرقني من اللّه الحال ، فكان يطرقني بالليل والنهار وأنا في الصحراء ، فأصرخ وأهج على وجهي ، فلما كان ذات ليلة طرقني الحال وصرخت صرخة عظيمة ، فسمع العيارون صرختي ففزعوا من المالحة ، فجاءوا حتى وقفوا عليّ وأنا مطروح على الأرض ، فعرفوني فقالوا : هذا عبد القادر المجنون ، أزعجتنا ، لا ذكرك اللّه بخير ، وكانوا يدورون حول بغداد بالليل لعلهم يرون أحدا يأخذون منه شيئا . قال : وقال لي : لحقني الجنون وحملت إلى المارستان ، وطرقتني الأحوال حتى مت ، وجيء بالكفن والغاسل وجعلوني على المغتسل ثم سرّي عني وقمت . قال : وقال لي : ترد عليّ الأثقال الكثيرة لو وضعت على الجبال تفسخت ، فإذا كثرت عليّ الأثقال وضعت جنبي على الأرض وقلت : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 5 ] ، ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال . قال : وقال لي : وقع في نفسي أن أخرج من بغداد ؛ لكثرة الفتن التي بها ، فأخذت مصحفي وعلقته على كتفي ومشيت إلى باب الحلبة ؛ لأخرج منه إلى الصحراء ، فقال لي قائل : إلى أين تمشي ؟ ودفعني دفعة خررت منها - أظنه قال : على ظهري - وقال : ارجع ؛ فإن للناس فيك منفعة ، قال : فقلت : أيش عليّ من الخلق ؟ أنا أريد سلامة ديني ، قال : ارجع ولك سلامة دينك ، ولم أر شخص القائل ، ثم بعد ذلك طرقتني أحوال أشكلت عليّ ، فكنت أتمنى على اللّه أن يسهل لي من يكشفها ، فلما كان من الغد اجتزت بالظفرية ففتح رجل باب داره وقال لي : يا عبد القادر تعال ، فجئت فوقفت عليه ، فقال لي : أيش طلبت البارحة ؟ أو قال : أيش سألت اللّه البارحة ؟ ونسيت الذي سألت اللّه بالليل ، قال : فسكتّ ولا أدري ما أقول له ، فاغتاظ مني ، ودفع الباب في وجهي دفعة عظيمة ، حتى طار الغبار من جوانب الباب إلى وجهي ، فلما مشيت قليلا ذكرت الذي سألت اللّه تعالى ، ووقع في نفسي أنه من الصالحين - أو قال : من الأولياء - فرجعت أطلب الباب فلم أعرفه ، فضاق صدري ، وكان ذلك الرجل الشيخ حماد الدباس ، ثم عرفت بعد ذلك ، وصحبته وكشف لي جميع ما كان يشكل عليّ ، وكنت إذا غبت عنه لطلب العلم ورجعت إليه يقول لي : أيش جابك إلينا ؟ أنت فقه ، مر إلى الفقهاء ، وأنا أسكت ، فلما كان يوم الجمعة خرج من بغداد ومعه جماعة من أصحابه ؛ ليصلي الجمعة في جامع الرصافة ، وأنا معه ، وكان في شدة البرد في الكوانين ، فلما وصلنا إلى قنطرة النهر دفعني حتى رماني في الماء ، فقلت : باسم اللّه ، غسل الجمعة ، وكان عليّ جبة صوف وفي كمي أجزاء ، فرفعت كمي حتى لا تهتلك ، وخلوني ومشوا ، فخرجت من الماء وعصرت الجبة وتبعتهم ، وتأذيت من البرد أذية كبيرة . قال : وكان الشيخ حماد يؤذيني أذية كثيرة ويضربني ، وإذا غبت عنه لطلب الفقه ورجعت إليه يقول : قد جاءنا اليوم الخير الكثير والفالوذج ، وأكلنا وما خبأنا لك شيئا ، فطمع فيّ أصحابه ؛ لكثرة ما يرونه يؤذيني ، وجعلوا يقولون : أنت فقه ، أيش تعمل معنا ؟ أو أيش جابك إلينا ؟ فلما رآهم الشيخ يؤذونني -