عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
284
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
--> - مزاحمتهم عليه ، فرجعت أمشي وسط البلد ، فلا أدرك موضعا قد كان فيه شيء منبوذ إلا وقد سبقت إليه ، حتى وصلت إلى مسجد يأنس بسوق الريحانيين ، وقد أجهدني الضعف وعجزت عن التماسك ، فدخلت إليه وقعدت في جانب منه وقد كدت أصافح الموت ، فدخل شابّ أعجميّ ومعه خبز رضافي وشواء فجلس يأكل ، فكنت إذا رفع اللقمة أكاد أن أفتح فمي من شدة الجوع ، حتى أنكرت ذلك على نفسي ، وقلت : ما هذا ؟ ما ها هنا إلا اللّه ، أو ما قضاه من الموت ، إذ التفت العجمي فرآني فقال : باسم اللّه يا أخي ، قال : فأبيت ، فأقسم عليّ فبادرت نفسي إلى جانبه ، فأبيت مخالفا لهواها ، فأقسم عليّ ، فبدرت نفسي إلى إجابته ، فأكلت مقصرا ، فأخذ يسألني : ما شغلك ؟ ومن أين أنت ؟ وبمن تعرف ؟ فقلت له : أما شغلي فمتفقه ، وأما من أين أنا فمن جيلان ، فقال لي : وأنا أيضا من جيلان ، فهل تعرف لي شابّا جيلانيّا يسمّى عبد القادر ، يعرف بسبط أبي عبد اللّه الصومعي الزاهد ، فقلت له : هو أنا ، فاضطرب لذلك وتغيّر وجهه وقال : واللّه يا أخي ، لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي ، فسألت عنك فلم يرشدني أحد إليك ، فنفدت نفقتي ، وبقيت ثلاثة أيام بعدها لا أجد شيئا أشتري منه قوتي إلا من الذي لك معي ، فلما كان هذا اليوم وهو الرابع قلت : لي ثلاث أيام بلياليها لم آكل فيها طعاما ، وقد أحلّ لي الشرع أكل الميتة فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشوي ، فكل طيبا ، فإنما هو لك وأنا الآن ضيفك ، بعد أن كان في الظاهر لي وأنت ضيفي ، فقلت له : وما ذاك ؟ فقال : اعلم يا أخي أن أمك وجهت لك معي ثمانية دنانير ، وو اللّه ما خنتك فيها إلى اليوم ، لكن نفقتي نفدت ، وبحيث بقيت ثلاثة أيام لم أصب طعاما فاشتريت هذا الطعام من نفقتك ، وأنا معتذر إليك من جنايتي عليك ، مع فسحة الشرع في بعض ذلك ، قال : فسكنته وطيبت نفسه ، وفضل من طعامنا ما دفعته إليه مع شيء من الذهب ، وقلت له : هذا يكون برسم نفقتك ، فقبله مني وانصرف . وقال : كتب إليّ عبد اللّه الجبائي ونقلته من خطه قال : قال لي الشيخ عبد القادر الجيلي : كنت يوما جالسا على مكان بالصحراء أكرر الفقه ، وأنا في مشقة من الفقر ، فقال لي قائل لم أر شخصه : اقترض ما تستعين به على الفقه ، أو قال : على طلب العلم ، فقلت : كيف أقترض وأنا فقير وليس لي شيء أقضيه ؟ فقال : اقترض وعلينا الوفاء ، فجئت إلى رجل يبيع البقل فقلت له : تعاملني بشرط إذا سهل اللّه لي شيئا أعطيك ، وإن مت تجعلني في حلّ ، تعطيني كل يوم رغيفا وبنصف رغيف رشاد ، قال : فبكى وقال : يا سيدي ، أنا بحكمك ، أي شيء أردت فخذ مني ، فكنت آخذ منه كل يوم رغيفا وبنصف رغيف رشادا ، فأقمت على ذلك مدة فضاق صدري يوما ، كيف لا أقدر على شيء أعطيه ؟ فأظن أنه قال : فقيل لي : امض إلى الموضع الفلاني فأيش رأيت على الدكة فخذه وادفعه إلى البقال ، أو قال : فاقض به دينك ، فلما جئت إلى ذلك الموضع رأيت على دكة قطعة ذهب كبيرة ، فأخذتها وأعطيتها للبقلي . قال : وقال لي الشيخ : كان جماعة من أهل بغداد يشتغلون بالفقه ، فإذا كان أيام الغلة يخرجون إلى الرستاق يطلبون شيئا من الغلة ، فقالوا لي يوما : اخرج معنا إلى بعقوبا نحصل منها شيئا ، وكنت صبيّا ، فخرجت معهم ، وكان في بعقوبا رجل صالح يقال له : الشريف البعقوبي ، فمضيت إليه لأزوره ، فقال لي : مريدو -