عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

274

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

يا هذا ما ثمّ إلا خلق وخالق ، فإن اخترت الخالق فقل : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] ، ثم قال : من ذاقه فقد عرفه . يا هذا المؤمن إذا عمل صالحا انقلبت نفسه قلبا ، ثم انقلب قلبه سرّا ، ثم انقلب السر فصار فناء ، ثم انقلب الفناء فصار وجودا ، ثم قال : ليس كل الأحباب يسعهم كل باب ، يا هذا الفناء إعدام الخلائق ، وانقلاب طبعك إلى طبع الملائكة ، ثم الفناء عن طبع الملائكة ، ولحوقك بالمنهاج الأول ، فحينئذ يسقيك ربك ما يسقيك ، ويزرع فيك ما يزرع ، إن أردت هذا فعليك بالإسلام ، ثم الاستسلام ، ثم العلم باللّه ، ثم المعرفة به ، ثم الوجود به ، فإذا كان وجودك به كان كلك له . الزّهد عمل ساعة ، والورع عمل ساعتين ، والمعرفة عمل الأبد . قال رضي اللّه عنه : ينبغي للفقير أن يتزر بالفقه والقناعة حتى يصل إلى الحق سبحانه وتعالى ، ويسعى بقدم الصدق طالبا لباب القرب ، مهرولا عن الدنيا والآخرة والخلق والوجود ، يحتاج أن يموت ألف مرة ، ويفنى ألف مرة ، تستقبله - أو قال : حتى تستقبله - عناية الحق ورأفته ورحمته ، وشوقه إليه ، ووحدانيته ، ونظراته ، ومباهاته ، ومواكب أرواح النبيين والمرسلين والصدّيقين ، والملائكة تصحبه وتزفّه إلى اللّه عز وجلّ ، فتقرب مبايعته فيقف على كل سطر وكل كلمة وكل حرف ، يقف على أوقاته وأزمانه وساعاته ولحظاته ، ويتيسّر له أمره وما يؤول إليه ، كلما جذب الخوف إليه جذبه القرب منه ، ثم لا يزال ينقل من شيء إلى شيء حتى يمثل حاجبا بين يديه ، منفردا عنده ، مطلعا على أسراره ، يعطى خلعة وطبقا ومنطقة وتاجا ، ويشهد الملك له على نفسه ألا يغير عليه . يا موتى القلوب طلبكم الجنة ، قيدكم عن الحق سبحانه وتعالى « 1 » . قال رضي اللّه عنه : اعلم والاك اللّه بجميل حمايته ، وصانك بلطف رعايته ، أن قدم الصدق إذا طلبت وجدت ، وعروس الوصل إذا نبتت نبتت ، وأصول القرب إذا رسخت بزغت ، ورياض القدس إذا ظهرت ظهرت ، ورياض الأنس إذا شهدت دهشت ، وقلوب الأحباب إذا رمقت عتقت ، وأسماع الأرواح إذا قرت سمعت ، وأبصار الأسرار إذا خطرت نظرت ،

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( 108 ) .