عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

273

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

حلبات صدق الفائزين ، وعلى جسر الهمة الممر : وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ القمر : 46 ] « 1 » . وقال أيضا رضي اللّه عنه : يكشف الأولياء والأبدال من أفعال اللّه عز وجلّ ما يبهر العقول ، ويخرق العادات والرسوم ، والكشف على قسمين : جلالي ، وجمالي ، فكشف الجلال والعظمة يورث الخوف المقلق ، والوجل المزعج ، وأمرا عظيما يحدث في القلب ، ويظهر على الجوارح ، كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يسمع من صدره أزيز كأزيز المرجل في الصلاة من شدة الخوف ، لما يرى من جلال اللّه تعالى ، ويكشف له من عظمته ، ونقل مثل ذلك عن إبراهيم الخليل عليه السلام . وعن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي اللّه عنه . وأما مشاهدة الجمال ، وهي التجلّي للقلوب بالأنوار ، والسرور والألطاف ، والكلام اللذيذ ، والحديث الأنفس ، والبشارة بالمواهب الجسام ، والمنازل العالية ، والقرب منه عز وجلّ مما منه رحمة ، وتثبيتا منه لهم في الدنيا إلى بلوغ الآجال للوقت المقدر ؛ لئلا تفرط بهم المحبة من شدة الشوق إليه عز وجلّ ، وتتفطر سرائرهم فيهلكون أو يصعقون . القيام بالعبودية حتى يأتيهم اليقين الذي هو الموت ، فيفعل ذلك لطفا ورحمة ومداواة وتنزيها لقلوبهم ، ومداراة لها ، فإنه حكيم عليم ، لطيف بهم ، رحيم . ولهذا روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول لبلال المؤذن : « أرحنا بها يا بلال « 2 » » ، يعني بالإقامة ليدخل في الصلاة ؛ لمشاهدة ما ذكرنا من الجمال ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « وجعلت قرّة عيني في الصّلاة « 3 » » . وقال رضي اللّه عنه : يا هذا كن مع اللّه تعالى كأن لا خلق ، ومع الخلق كأن لا نفس ، فإذا كنت مع اللّه تعالى كأن لا خلق وجدت ، وعن الكل فنيت ، وإذا كنت مع الخلق كأن لا نفس عدلت واتقيت . اترك الكل على باب خلوتك ، وادخل وحدك ، ترى مؤنسك في خلوتك بغير سؤال ، وتشاهد ما وراء العيان ، وتزول النفس ، ويأتي مكانها أمر اللّه وقربه ، فإن جهلك علم ، وبعدك قرب ، وصمتك ذكر ، ووحشتك أنس .

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( 148 ) بتحقيقنا . ( 2 ) رواه الطبراني في الكبير ( 6 / 277 ) ، والخطيب البغدادي في تاريخه ( 10 / 442 ) . ( 3 ) رواه النسائي ( 5 / 280 ) ، وأحمد ( 3 / 285 ) .