عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

237

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

وكانوا بحضرته متواضعين ، وكان يوم استغفارهم يوما عظيما « 1 » . الحكاية الرابعة والثمانون بعد المائة عن الشيخ الجليل العارف أبي عبد اللّه محمد بن أحمد البلخي رحمه اللّه تعالى قال : هاجرت من بلخ إلى بغداد وأنا شابّ لأزور الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه ، فوافيته يصلّي العصر بمدرسته ، وما كنت رأيته ولا رآني قبل ذلك ، فلما سلم وأهرع الناس إليه بالسلام عليه تقدمت إليه وصافحته ، فأمسك بيدي ونظر إليّ مبتسما وقال : مرحبا بك يا بلخي يا محمد ، قد أراني اللّه مكانك وعلم نيتك . قال : فكان كلامه دواء الجريح ، وشفاء العليل ، فذرفت عيناي خشية ، وارتعدت فرائصي هيبة ، وتقطعت أحشائي شوقا في محبته ، وأوحشت نفسي ، ووجدت في قلبي أمرا لا أحسن أن أعبر عنه ، ثم زاد سموّا وتقوى وأنا أغالبه ، فلما كان ذات ليلة مظلمة قمت إلى وردي فبرز لي من قلبي شخصان ، وبيد أحدهما كأس وبيد الآخر خلعة ، فقال لي صاحب الخلعة : أنا عليّ بن أبي طالب ، وهذا أحد الملائكة المقرّبين ، وهذا كأس من شراب المحبة ، وهذه خلعة من حلل الرّضا . ثم ألبسني تلك الخلعة ، وناولني صاحبه الكأس فأضاء بنوره المشرق والمغرب ، فلما شربته كشف لي عن أسرار الغيوب ، ومقامات أولياء اللّه تعالى ، وغير ذلك من العجائب ، فكان مما رأيت مقاما تزل أقدام العقول في سره ، وتضل أفهام الأفكار في جلاله ، وتخضع رقاب الأولياء لهيبته ، وتذهل أسرار السرائر في بهائه ، وتدهش أبصار البصائر لأشعة أنواره ونسائمه طالعة من الملائكة المقرّبين والكروبيين والروحانيين ، لاحت ظهورها على هيئة الراكعين ؛ تعظيما لقدر ذلك المقام ، وسبّحت اللّه تعالى بأنواع التقديس والتنزيه ، وسلمت على أهل ذلك المقام ، ويقول القائل : إنه ليس فوقه إلا عرش الرحمن عز وجلّ ، ويتحقق الناظر إليه أن كل مقام لواصل ، أو حال لمجذوب ، أو علم لعارف ، أو تصريف لوليّ ، أو تمكين لمقرب ، فمبدؤه وموئله - أو قال : نائله - وجملته وتفصيله وكله وبعضه وأوله وآخره فيه استقر ، ومنه نشأ ، وعنه صدر ، وبه كمل . قال : فمكثت مدة لا أستطيع أن النظر إليه ، ثم طوقت النظر إليه ، ومكثت مدة لا أستطيع

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( 74 ) .