عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

143

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

الفقد بعدم الالتفات إلى السوى ، وثقة القلب بترتيب القدر السابق والتجريد صار حكما ، والذهول على الكونين حالا ، حتى تنقلب الأكوان باطنا لظاهر ، ومتحركا لساكن ، فيسكن القلب بتمكين القدر ، وانشراح الصدر بصور الأكوان مع ثبوت المقام بعد التلوين ، ورسوخ التمكين ، فتكون السماء له رداء ، والأرض له بساطا ، والهيبة في القلب لعظمة اللّه . طمس أبصار البصائر عن مشاهدته فلا يرى إلا بأنوار الجلال ، وسواطع الجمال ، والرّضا بسكون القلب تحت مجاري الأقدار بنفي التفرقة حالا ، وعلم التوحيد جمعا ، فيشهد القدرة للقادر ، والأمر للآمر ، وذلك يلزمه في كل حال من الأحوال . والتمكين : شهود العلم كشفا ، ورجوع الأحوال إليه قهرا ، والتصرف حكما وكمال الأمر شرعا . والجوع : صفاء الأسرار في استغراق الأذكار ، والشوق : الاستغراق في بادئ الذّكر طربا ، ثم الغيبة في وسط الذّكر سكرا ، ثم الحضور في آخر الذّكر صحوا ، فهو بين استغراق يهيجه وغيبة تزعجه وحضور يبعثه . والحياة أن يحيا القلب بنور الكشف ، صدرك سر الحق الذي برزت به الأكوان في اختلاف أطوارها ، فكيف وهي جنة اللّه تعالى ، وتخاطبه بأسرار معانيها ، وألطاف مبانيها ، والتبري من الحول والقوة ذهاب الخواطر من المتجلى عليه ، وفناء الأكوان في امتزاج الأنفاس عليه ، ويفيد صاحبه أن يحفظ اللّه عليه حاله ، ويرقى في كل لحظة مقامه ، فلا يرى في الملك ولا في الملكوت حركة ولا اختلاف ظهور حكم إلا وله فيه زيادة نوره ، وحقيقة إيمانه ، وهو مقام فلا يتكدّر عليه حاله ، ولا يختلف عليه وجده ، فإن ظهرت عليه القدرة أخفته ، وإن بطنت فيه أظهرته ، فرؤيته عرشية - أو قال : غيبية - ، وحضوره - أو قال : ظهوره - بطونه واله فان بالأسرار لا يسمع إلا من مخاطب في سرّه بسر المراد في العلم ، وتتنوع له الأفهام باختلاف المقامات في العمل ، فهو يرتع في رياض الأسرار ، ويصافى بخالص الأنوار ، ويتجلّى له الحكم في أنوار الجمال ، يهدي إليه ويمنحه هباتها ، والواصل ألقى السمع للإصغاء ، وفتح البصيرة للنظر ، فتنطق حروف الأكوان في سر أسماعه تدبرا وحكما ومواعظ ، فهو في رياض التدبّر بين حدائق المواعظ الناطقة الصامتة ، وأزهار الحكم الباطنة والظاهرة . والتقوى : ألا يظهر على محله حركة إلا وهي بحبل العلم مرتبطة ، أو كما قال : مع غيبته عن حركته ، فإن يكن باطنه مع باطن العلم حكمها ، وإن يكن ظاهره مع ظاهر العلم