عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
144
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
وجودها مع طهارة القلب ، وتسليم النفس ، ومبادرة الوقت ، وإذا صحّ هذا الوصف للعبد أتاه اللّه العلم اللدني ، وفتح له باب إلهام الوحي ، فتحدث روحه بأسرار الملكوت . والتحقيق : الاستغراق في الأنوار الغيبية ، فيرى في قلبه مشكاة دانية الأنوار ، فيدرك به حقيقة النفس ، وكيف رتب اللّه وضعها والناس في ذلك على قسمين : متمكن أمكن ، ومتمكن عين أمكن ، فالأول هو الذي يجد العبارة منوطة بلطف الحال ، مفصحة للتبليغ بشرط التلقّي ، والثاني هو الذي يدرك ذلك كشفا ، ويمنع منه عبارة وهو موله ، غير مبلغ حقيقة ما أدركه من لطف الأنوار ، وجلي الأسرار ، والكشف بروز الأفعال والأحوال على القسطاس الصديقي ، والصراط الحقيقي ، وكذلك الأكوان تدركه حقائقها على الوضع الأول من غير إشارة لتمثيل ، ولا محو ، بل التحويل بروز التشكيك ، فهي تظهر له على اثني عشر قسما : صنوان ، وغير صنوان ، شموس المعارف ولطائف العوارف ، ويشهد في ذلك ما له قبل الانفصال والاتصال . والذّكر : اضمحلال الذّكر برؤية المذكور حتى يبقى محقّا في عين المحق ، وسكر في سر الصحو . قال اللّه تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 24 ] ، معناه : إذا نسيت أنك ذاكر فنسيانك ذكر ، وغيبتك عن النسيان شهود المذكور ، وهو المعبّر عنه بذكر الذاكر ، وأما من قال معناه : إذا نسيت من سواه فاذكره ، فهو لا يصلح إلا للغافلين لا للمحققين ، وهذه المقامات كلها نتائج الكتاب والسّنة بحسن الأدب ، ومن لا اتّباع له للشرع فلا شيء له في هذه المقامات والأحوال . انتهى كلامه رضي اللّه عنه . وهو كلام عارف محقق في الأسرار ، مدقق عزيز نفيس ، لا يعرفه إلا أهله من كل غواص على الأسرار ذي تفتيش . وكان رضي اللّه عنه من أكابر العارفين ، وأجلّاء المقرّبين المشهورين المشكورين ، أصحاب الكرامات الخارقة ، والأنفاس الصادقة ، والآيات الباهرة ، والأنوار الزاهرة ، والأحوال والمقامات العلية ، والمحل الأرفع ، والجاه الأوسع ، والكشف الجلي ، والقدر العلي ، والمورد العذب من مناهل الوصل والتقريب في القطع ، والوصل والتولية والعزل ممن جمع اللّه له بين علمي الشريعة والحقيقة ، وجعله إماما دالا في سلوك الطريقة ، كثير السر المصون ، مفتاحا لمغالقه الغامض المكنون .