عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
130
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
وكان الشيخ رسلان يمشي في الهواء ، ويدور فيه دورانا ثم ينزل إلى الأرض ، ويسير سيرا ، يفعل ذلك مرارا والحاضرون يشاهدونه ، فلما استقرّ على الأرض أسند ظهره إلى شجرة تين في تلك الدار ، وقد كانت يبست وقطعت الحمل من مدة ، فأورقت واخضرّت وأينعت ، وحملت التين في تلك السنة ، وكان حملها من أطيب تين دمشق « 1 » . وكان رضي اللّه عنه من أكابر مشايخ الشام ، وأعيان العارفين الأعلام ، صاحب الأنفاس الصادقة ، والكرامات الخارقة ، والمقامات العلية ، والأحوال السّنية ، والكشف الواضح عن حقائق الآيات ، والقدم الراسخ في معرفة الأسرار المغيبات ، والتمكين المكين ، والتصريف النافذ في الوجود ، والمشرب العذب من سلسبيل فيض الفضل ، ومنبع عين الوجود . أشار إليه بالاحترام والتبجيل المشايخ أولو الجلالة والتحقيق ، ونزلت بفنائه الركائب ، وسارت بآثاره ومآثره الركبان إلى كل فجّ عميق ، وله كلام جليل في الحقائق والمعارف والعلوم التي لا ينطق بها إلا كل عارف من ذلك قوله : العارف ترد عليه أسرار اللّه تعالى جملة مكنونة زاهرة ، باهرة ، وهو مصطلم بأنوارها ، مستغرق في بحارها ، مستهلك في تلاطم موج لجتها ، قائم بإيضاحها ، وإقامة براهين حججها ، التقريب مشهده ، والتهذيب يوجده ، والتخصيص يفرده . وقوله : العارف من جعل اللّه قلبه لوحا ملئ بأسرار الموجودات ، ويمد بأنوار حق اليقين ، وبهجة التجليات يدرك بها حقائق الصدور المرقومات على اختلاف أطوارها ، ويدرك بها من مكامن العلوم وأسرارها ، لا يتحرك بحركة ظاهرة ولا باطنة في الملك والملكوت إلا ويكشف اللّه تعالى له عن بصيرة إيمانه ، وعين عنايته يشهدها علما وكشفا ، وهو الذي يصعد بسرّه في أكوان الملكوت كالشمس ، فلا يطاق النظر إليه ، وصفته ألا يكمل إلا بالعلم . وقوله : الحدّة مفتاح كل شرّ ، والغضب يقيمك على ذل الاعتذار ، ومكارم الأخلاق العفو عند القدرة ، والتواضع في الدولة ، والعطاء بغير منّة ، والكريم من احتمل الأذى ولم يشك عند البلاء ، وأحسن المكارم عفو المقتدر ، وجود المفتقر ، وسبب الغضب هجوم ما يكون ضد النفس ممن فوقها ، فالغضب يتحرّك من باطن الإنسان إلى ظاهره ، والحزن يتحرك من ظاهر الإنسان إلى باطنه .
--> ( 1 ) انظر : البهجة ( ص 348 ) .